تحليلات - شئون دولية

ملامح الفوضى وصدام المؤسسات في إدارة "ترامب"

طباعة
شهد الشهر الأول لإدارة الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة "دونالد ترامب"، الذي أدى اليمين الدستورية في العشرين من يناير 2017، حالة من الفوضى، وسلسلة من الانتكاسات السياسية، والتوترات الحادة مع وسائل الإعلام والرأي العام الأمريكي، وكذلك مع مجمع الاستخبارات الأمريكية. 
 
وتفاقمت تلك الحالة مع تزايد موجة التسريبات لاتصالات بين مسئولي الإدارة الأمريكية وروسيا، الأمر الذي قد يُنذر بأزمة قد تعصف بإدارة ترامب، على غرار فضيحة "ووترجيت" التي أرغمت الرئيس الأمريكي الأسبق "ريتشارد نيكسون" على الاستقالة في أغسطس عام 1974.
 
يعترف ترامب ذاته بأن إدارته تُواجه حالة فوضى في الداخل والخارج، لكنه يرفض مسئوليته عنها، كما تتهمه صحيفة "نيويورك تايمز" بافتتاحيتها في 17 فبراير2017، قائلا -خلال مؤتمر صحفي استثنائي عُقد في اليوم ذاته- إن إدارته قد ورثت تلك الحالة من سلفه الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" (2009-2017)، وأكد أن إدارته تعمل "كالماكينة المنصوبة بدقة". 
 
وبعد يوم من هذا المؤتمر، صرح "جون ماكين"، المرشح الجمهوري الأسبق للانتخابات الرئاسية لعام 2008، رئيس لجنة الخدمات العسكرية بمجلس الشيوخ، بأن إدارة ترامب "في حالة اضطراب". أيضا، اعترف وزير الدفاع الأمريكي "جيمس ماتيس" من أبو ظبي، خلال أول زيارة له إلى منطقة الشرق الأوسط، بأن الإدارة الأمريكية تُواجه موجة من الاضطرابات المتتالية، لكنها لا تُؤثر في أداء الجيش الأمريكي. 
 
في المقابل، أصدر البيت الأبيض بيانا بعد مرور شهر على تولي "ترامب" السلطة رسميا، أوضح فيه أن الشهر الأول لإدارته شهد تحقيق نتائج عديدة لمصلحة الأمريكيين، إذ أشار إلى أن الرئيس ترامب وفر فرص عمل للأمريكيين، وأعاد الشركات للعمل داخل الولايات المتحدة بدلا من الرحيل للخارج، وإلغاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، وإعادة التفاوض حول اتفاقية "نافتا"، وتنشيط عملية التصنيع المحلي. 
 
على الصعيد الخارجي، أشار البيان إلى أن ترامب تحدث وقابل أكثر من 30 زعيما أجنبيا، ووقع عقوبات على 25 كيانا وفردا إيرانيا، بعد تجربة طهران لصواريخ باليستية أواخر شهر يناير الماضي، كما وجه وزارة الدفاع (البنتاجون) إلى وضع خطة لهزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).
 
ملامح الفوضى
 
بالرغم من بيان البيت الأبيض الذي يُدافع عن مضي الرئيس الأمريكي في تنفيذ وعوده الانتخابية، فإن إدارة "ترامب" شهدت صراعا خلال شهرها الأول بين أركان مؤسسة الرئاسة من جانب، ومع المؤسستين التشريعية والقضائية من جانب آخر، فضلا عن الصراع المحتدم والمستمر مع وسائل الإعلام، ومجمع الاستخبارات. وتتجلي أوجه تلك الفوضى فيما يأتي: 
 
أولا- استقالات ورفض لمناصب: فبعد أقل من شهر على أداء الرئيس الأمريكي اليمين الدستورية، استقال مستشاره للأمن القومي "مايكل فلين"، على خلفية اتصاله بالسفير الروسي لدي الولايات المتحدة "سيرجي كيسلياك" في 29 ديسمبر 2016 في انتهاك للقانون الأمريكي. وقد أحدثت تلك الاستقالة أزمة داخل الإدارة الأمريكية لقرب "فلين" من "ترامب" منذ حملته الانتخابية.
 
إثر الاستقالة، تعرضت الإدارة لأزمة أخرى مع رفض الأميرال المتقاعد "روبرت هاروارد" تولي المنصب خلفا لـ"فلين". وأرجعت تقارير صحفية هذا الرفض- على عكس ما صرح به "هاروارد" بأنه لأسباب عائلية- إلى عدم حصوله على ضمانات من "ترامب" بأن المجلس هو المسئول الأول عن صياغة سياساته، وليس مستشارو الرئيس السياسيون، خاصة  كبير المستشارين الاستراتيجيين "ستيفن بانون"، وكبير موظفي البيت الأبيض "رينس بريبوس"، المقربين من الرئيس "ترامب". 
 
أيضا، انسحب "أندرو بازدر"، الذي رشحه الرئيس لتولي وزارة العمل، في الـ 15 من فبراير 2017 من تولي المنصب عقب الكشف عن معلومات مثيرة للجدل حول حياته الشخصية والمهنية. وقد جاء قراره بعد أن أحجم جمهوري مجلس الشيوخ عن دعمه، وتهديد الديمقراطيين بالمجلس رفض التصويت لتوليه المنصب. 
 
ثانيا- تصريحات متضاربة: إذ إن هناك اختلافات في الرؤى حول قضايا السياسة الخارجية بين الرئيس وأعضاء إدارته. ففي الوقت الذي يتبني فيه "ترامب" رؤية للتقارب مع روسيا في الملفات الدولية، يتشدد أعضاء الإدارة الأمريكية ضد السياسات الروسية على الساحة الدولية. 
 
فخلال زيارته الأوروبية، قال نائب الرئيس "مايك بنس" إن الولايات المتحدة لن تعترف بالاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم بأي شكل من الأشكال، وهو ما أكده أيضا وزير الدفاع "ماتيس" خلال زيارته إلى أوروبا ، حيث قال إنه لا يعتقد أنه سيكون بالإمكان التعاون مع موسكو عسكريا على الأقل في الوقت الراهن.
 
وعلى عكس رؤية "ترامب" لحلف شمال الأطلنطي (الناتو) الذي عدّه في السابق حلفا "عفى عليه الزمن"، و"غير مهم"، يؤكد نائب الرئيس، ووزير الدفاع، علاوة على وزير الخارجية "ريكس تيلرسون"، أهمية الحلف في حفظ الأمن والاستقرار الدوليين. 
 
ويظهر تضارب التصريحات داخل الإدارة الأمريكية مع تأكيد "ماتيس" في العشرين من فبراير، خلال زيارته الأولي لبغداد، أن الولايات المتحدة لا تسعي إلى نهب نفط العراق، في تعارض مع تصريحات سابقة لترامب، أكد فيها أنه كان على واشنطن الاستيلاء على النفط العراقي قبل سحب القوات الأمريكية من بغداد في عام 2011، وذلك لتمويل الحرب، ولحرمان الإرهابيين من مصدر حيوي لتمويلهم.
 
 ثالثا- التصريح بمعلومات مغلوطة: فمع قرب نهاية أول شهر له في البيت الأبيض، أصدر "ترامب" تصريحات تتضمن معلومات مغلوطة، فضلا عن الأخطاء الإملائية بتغريداته على موقع تويتر، والتي أثارت سخرية الكثيرين داخل الولايات المتحدة وخارجها على حد سواء. 
 
ففي خطاب حماسي لترامب أمام أنصاره بولاية فلوريدا (18 فبراير 2017)، قال "إن استقبال اللاجئين لأمر خطير"، وقد دلل على ذلك بـ "أن السويد، الدولة المستضيفة للاجئين، تعرضت لاعتداء إرهابي..."، ولكن السويد في حقيقة الأمر لم تشهد أي اعتداء إرهابي خلال هذا اليوم.
 
رابعا- الهجوم على القضاء الأمريكي: بعد أن علق القضاء الأمريكي في معركتين قضائيتين (في الثالث والتاسع من فبراير2017) تطبيق الأمر التنفيذي "حماية الأمة من دخول إرهابيين أجانب إلى الولايات المتحدة الأمريكية" الذي أصدره "ترامب" في 27 يناير الماضي، هاجم الرئيس السلطة القضائية، وشكك في استقلاليتها، وتحدث عن أنها "مسيسة". 
 
وتفاديا لتصعيد المعركة القضائية إلى المحكمة العليا قبل أن يُصدق مجلس الشيوخ على مرشح الرئيس لشغل المنصب التاسع الشاغر بالمحكمة، القاضي المحافظ "نيل غورستش"، أعلن "ترامب" أنه لن يستأنف قرار تعليق القضاء أمره التنفيذي، ولكنه سيصدر أمرا تنفيذيا جديدا.
 
خامسا- صدام مع الكونجرس: على الرغم من سيطرة حزب الرئيس (الحزب الجمهوري) على مجلسي الكونجرس (مجلس النواب، ومجلس الشيوخ)، اتسمت العلاقة بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية بالصدام، لاسيما مع كشف الاستخبارات الأمريكية عن اتصالات لأعضاء بالإدارة بمسئولين روس، في تعارض مع سياسات الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي، التي ترفض التقارب مع روسيا، والتخلي عن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين. 
 
وفي اتفاق نادر الحدوث، يُؤكد أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ضرورة فتح تحقيقات حول اتصالات مستشاري "ترامب" وارتباطاتهم بروسيا، واستدعاء "فلين" للمثول أمام الكونجرس للشهادة حول اتصاله بالسفير الروسي لدى الولايات المتحدة. 
 
ويتفق الديمقراطيون والجمهوريون على أن "ترامب" يُمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، عقب مناقشته قضايا أمنية حساسة، ووثائق سرية مع رئيس الوزراء الياباني "شيزو آبي" على مائدة العشاء بمنتجع "مار آلا غو"، بعد تجربة الصاروخ الباليسيتي الذي أطلقته كوريا الشمالية في الثالث عشر من فبراير 2017 في انتهاك للإجراءات الأمنية التي ترافق المحادثات السرية لحمايتها من التنصت والاختراق.
 
سادسا- شغور مناصب بالإدارة الأمريكية: إذ تدخل إدارة "ترامب" شهرها الثاني، وكثير من المناصب المهمة لا تزال شاغرة، مثل منصب مدير وكالة الاستخبارات الوطنية، المرشح له السيناتور الأسبق عن ولاية إنديانا "دان كوتس"، الذي لا يزال في انتظار تصديق مجلس الشيوخ عليه لتوليه مهام منصبه رسميا. 
 
وحتى الآن، لم يصدق مجلس الشيوخ إلا على 14 مرشحا من 22 مرشحا، عدد أعضاء حكومة "ترامب"، فضلا عن استمرار تدقيق المجلس في مرشحي الرئيس لمناصب عليا بإدارته، قبل التصديق على توليهم المنصب رسميا.
 
وفي ظل تعويق ديمقراطيى مجلس الشيوخ تعيينات مسئولي الإدارة الأمريكية، هاجمهم "ترامب"، ووصف تصرفهم بالعمل "المخزي". ويرفض الديمقراطيون بالمجلس كثيرا من مرشحي "ترامب" لتولي مناصب مهمة بالإدارة لتضارب المصالح؛ حيث إن أغلبهم رجال أعمال، بجانب عدم كفاءتهم لتولي المنصب. ولهذا، فإن أغلب التعيينات التي تم تمريرها حتى الآن من المجلس كانت بأغلبية ضئيلة.
 
سابعا- عدم الثقة العميقة بين الرئيس ومجمع الاستخبارات إثر تسريب تفاصيل اتصالات مسئولين بالإدارة الأمريكية مع نظرائهم الروس لوسائل الإعلام، وكذلك اتهام موسكو بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي أجريت في الثامن من نوفمبر 2016، لمصلحة "ترامب"، عبر قرصنة حسابات اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. وفي المقابل، يتهم الرئيس الوكالات الاستخباراتية بخرق القانون الأمريكي، ويصف تسريبها معلومات حساسة عن إدارته بالعمل "الإجرامي".
 
وقد انعكست حالة عدم الثقة- حسب بعض التقارير الأمريكية - في حجب الاستخبارات الأمريكية معلومات استخباراتية حساسة حول الأساليب التي تستخدمها لجمع المعلومات، والتجسس على الحكومات الأجنبية، لكن وكالة الاستخبارات الوطنية نفت ذلك. 
 
وفي محاولة للسيطرة على أجهزة الاستخبارات الأمريكية، يخطط "ترامب" لإجراء مراجعة شاملة لعمل وكالات الاستخبارات الأمريكية، وهو توجه يُثير مخاوفها من احتمالات تقليص استقلاليتها، والتقليل من حرية تدفق المعلومات فيما بينها.
 
ثامنا - الهجوم المستمر على الإعلام: لم يترك الرئيس مناسبة إلا واتهم فيها وسائل الإعلام الأمريكي بـ "التحيز"، و"عدم الأمانة"، و"نشر الأخبار الوهمية". وقد وصل الأمر إلى وصفها بأنها عدو للشعب. 
 
ففي تغريده له في 17 فبراير 2017، كتب "ترامب" ما نصه: "وسائل الإعلام الكاذبة "نيويورك تايمز"، وإن بي سي نيوز"، و"آي بي سي"، و"سي بي إس"، و"سي إن إن"، ليست عدوا لي، بل للشعب الأمريكي، وأن الإعلام لا يخدم الشعب، بل مصالحه الخاصة". وقد وصف لهجة الإعلام بأنها "لهجة كراهية". 
 
واتساقا مع سياسة الرئيس المناهضة لوسائل الإعلام المنتقدة لسياسات الإدارة الأمريكية، منع المتحدث باسم البيت الأبيض "شون سبايسر" في 25 فبراير 2017 بعض وسائل الإعلام، مثل صحيفة "نيويورك تايمز"، وقناة "سي إن إن" الإخبارية من حضور الإعلان الصحفي الذي أقامه في مكتبه، بدلا من المؤتمر الصحفي اليومي الذي يقام عادة بقاعة المؤتمرات الصحفية.
 
 وقد بدأ الصدام بين "ترامب" ووسائل الإعلام الأمريكية منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض. فعقب أدائه اليمن الدستورية بساعات، انتقد "ترامب" تقاريرها عن أن الجماهير التي حضرت حفل تنصيبه هي الأقل عددا، مقارنة بالأعداد التي حضرت حفل تنصيب الرئيس الأمريكي السابق "أوباما".
 
تراجع شعبية "ترامب"
 
أدت حالة الفوضى التي تمر بها إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إلى تراجع شعبيته لتكون الأقل بين نظرائه من الرؤساء الأمريكيين السابقين، خلال أول شهر لهم في البيت الأبيض. 
 
فوفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة "جالوب"، ظهرت نتائجه في شهر فبراير 2017، تصل شعبية "ترامب" قبل ثلاثة أيام من نهاية شهره الأول في البيت الأبيض إلى 40%، وهي منخفضة بنسبة 21% عن متوسط التقييم التاريخي للرؤساء السابقين، خلال أول شهر لهم في البيت الأبيض. ويصل الفارق بين التأييد الشعبي للرئيس الأمريكي السابق "أوباما"، والحالي إلى 24%.
 
وفي استطلاع أخر أجرته جامعة "كوينيبياك"، ظهرت نتائجه في الشهر نفسه، عن نسبة رضا الناخبين الأمريكيين عن أداء "ترامب"، كان 55% من المستطلعة آراؤهم غير راضين عن أدائه، وتلك النسبة غير مسبوقة، مقارنة بمثيلاتها في فترات رئاسية سابقة.
 
في الختام، يكشف الشهر الأول للرئيس "ترامب" في البيت الأبيض عن أن الصراع والصدام بين مؤسسات صنع القرار– الرسمية وغير الرسمية - سيكون سمة سنوات حكمه، وأن العلاقة بينه والإعلام في طريقها لمزيد من التأزم، لاسيما مع رفضه لأي انتقادات له ولإدارته.
 
حالة الصدام في تزايد مع تكشف تضارب المصالح داخل الإدارة الأمريكية، والتي تجلت في هجوم "ترامب" ذاته في تغريده له في 18 فبراير 2017 على متاجر "نوردستروم"، لأنها توقفت عن بيع الملابس التي تحمل ماركة ابنته "إيفانكا". 
 
ومع استمرار تسريبات وكالات الاستخبارات الأمريكية حول اتصالات مستشاري الرئيس بمسئولين روس، قد تشهد إدارة "دونالد ترامب" فضيحة "روسيا جيت"، على غرار فضيحة "ووترجيت"، ستتكشف ملامحها خلال الأشهر القادمة. ومثل تلك الفضيحة قد تقضي على فرص استمرار "ترامب" ومستشاريه في حكم الولايات المتحدة. 
طباعة

    تعريف الكاتب

    عمرو عبد العاطي

    باحث متخصص في الشئون الأمريكية، محرر في مجلة السياسية الدولية