تحليلات - قضايا عالمية

هجمات "داعش" فى باريس.. الأبعاد والدلالات

طباعة
تعد العمليات الإرهابية الضخمة، التى قام بها تنظيم "داعش" فى قلب باريس العاصمة الفرنسية في 13 نوفمبر 2015 ، نقطة تحول فارقة في استراتيجية التنظيم في مواجهة دول التحالف الدولي، حيث كان يفضل دائما أن يقاتل في مناطق "دولته" في العراق وسوريا، دون محاولة توسيع عملياته إلى الدول الغربية.
 
لقد دلت هجمات باريس على أن هناك تغيرا في استراتيجية التنظيم، لاسيما فى ظل قدرته على الضرب فى عمق أوروبا، برغم كل الاحتياطات الأمنية التي تتخذها الدول الأوروبية. كما أن تنظيم "داعش" أصبح في أمس الحاجة لتخفيف الضغط عنه فى تلك المرحلة الصعبة، نتيجة الضربات المؤلمة التي توجه إليه من عدة جبهات، وهو ما جعل التنظيم يتحول من وضع الهجوم إلى الدفاع عند حدود "دولته" لأول مرة منذ عام.
 
 وعقب هجمات باريس، أعلن " داعش" مسئوليته عنها، من خلال بيان أصدره، شرح فيه الهجمات والدوافع من ورائها، مما يثير التساؤلات حول أسباب استهداف التنظيم لفرنسا، دون غيرها من الدول الأوروبية، والدلالات المختلفة لتلك العمليات الإرهابية.
 
أولاً:- وقفات مع بيان "داعش" حول عمليات باريس:
 
حمل البيان الذي أصدره "داعش"، بعد هجمات باريس، عدداً من النقاط التي يمكن التوقف عندها قليلاً، لما فيها من دلالات مهمة، منها: 
 
1- وصف التنظيم العمليات الإرهابية "بالغزوة التى يسر الله لها الأسباب"، وهذا تعبير يحمل نوعا من التواضع غير مألوف فى بيانات التنظيم، الذي دائما ما يصف عملياته بأوصاف القوة، والفخر، والاستعلاء، ومنفذيها بالأسود والأبطال.. إلخ، مما يدل على أن التنظيم - على ما يبدو - لم يكن يتوقع أن تنجح عناصره فى تنفيذ الهجمات بهذا الشكل الكبير، خاصة فى ظل التشديد الأمنى الذى تتبعه الدول الغربية تجاه المتطرفين والإرهابيين، مما يدل على أن القصور الأمني الفرنسي أسهم بشكل كبير فى نجاح هجمات التنظيم بهذا الشكل.
 
2-   استخدام مصطلح "حاملة لواء الصليبية" أكثر من مرة فى البيان للتعبير عن فرنسا يدل على أن رؤية "داعش" لفرنسا مستمدة من الرؤية الراسخة للتنظيمات الجهادية، التى دائما ما تصف فرنسا بهذا الوصف، بسب قيادتها للعالم المسيحي الكاثوليكي فى الحملات الصليبية قديما، إضافة إلى تاريخها الاستعماري فى العديد من الدول الإسلامية، ثم أخيراً مواقفها العدائية تجاه التنظيمات الجهادية فى المنطقة، ودروها فى القضاء على بعضها، كما حدث فى شمال مالى، وانتهاء بمشاركتها فى الحرب على "داعش".
 
3- وصف "داعش" في بيانه منفذي الهجمات بــ"الثلة المؤمنة" بقوله: "انطلقت ثلة مؤمنة من جند الخلافة أعزها الله ونصرها"، استهدفت مواقع "منتخبة بدقة"، وهو ما يشير إلى دور "الخلايا النائمة" فى فرنسا، وأنه اعتمد عليها فى تنفيذ هذه العملية، لأنها أدرى بهذه الأهداف، وكيفية الوصول إليها، خاصة أن القيام بمثل هذه العمليات يحتاج إلى قدر من الوقت، والتخطيط، والمعرفة الجدية بالمكان واللغة، وهذا ما يتوافر فى الخلايا النائمة (الثلة المؤمنة).
 
4- التهديد الذي وجهه التنظيم فى نهاية البيان إلى فرنسا والدول التى تسير على دربها (أى التى تشارك فى التحالف الدولي على "داعش")، بأنها سوف تكون على أولوية أهدافه، يدل على رغبة التنظيم فى إنهاء مشاركتها فى الحرب عليه، من خلال الضغط على مواطنيها بهذه العمليات، حيث يدرك "داعش" جيداً أهمية الرأى العام فى تلك الدول، وقدرته على تغير السياسات. 
 
5- الإنذار والوعيد الذي أتى فى آخر البيان فى التعبير عن الهجمات، بقوله "هي بداية الغيث فى أوروبا، وإ نذار لمن حارب الله ورسوله"، يدل على أن هناك توجها لدى التنظيم لتكرار هذه العمليات فى مدن أوروبية أخرى، خاصة أن عمليات باريس قد حققت أهدافها بأكثر مما كان يتوقع، وهذا ما يمكن أن يشجع "داعش" أو تنظيمات أخرى قاعدية على القيام بعمليات إرهابية أخرى، من باب التنافس الجهادي.
 
ثانياً:- أسباب الاستهداف "الداعشى" لفرنسا:
 
برغم أن هجمات باريس تعبر بشكل واضح عن مهارة التنظيم فى العملية، التى اعتمد فيها على  توجيه ضربات موجعة في أماكن يسهل على عناصره التحرك فيها، وتحقيق نجاح واسع بأقل التكاليف، فإنها فى الوقت نفسه تثير التساؤل حول الأسباب التي دفعته إلى اختيار باريس دون غيرها لشن هجماتها الإرهابية، ومن أبرزها:
 
1- الوجود العربي والإسلامى فى فرنسا، والذي يعد الأكبر في أوروبا، خاصة أن قسما كبيرا منه يوجد في الأحياء الفقيرة، التي تمثل الأرضية الخصبة للتجنيد من انتشار الأفكار المتطرفة فى تلك الأحياء، مما سهل عليه تجنيد بعض الشباب الفرنسي، خاصة فى ظل الآلة الإعلامية الدعوية للتنظيم، والتى تمكنت من مخاطبة الشباب الفرنسى بلغته، من خلال مجلة "دابق"، أو غيرها من الوسائل الدعوية المحترفة، وهو الأمر الذي مكنه من جذب العديد من  الشباب بطريقة غير تقليدية. والدليل على ذلك أن منفذى عملية اقتحام المسرح كانوا يتحدثون الفرنسية بطلاقة عند تنفيذ الهجوم. 
 
2- المقاتلون الفرنسيون فى صفوف "داعش"، إذ تعد فرنسا الدولة الأوروبية التى يوجد لها  أكبر عدد من المقاتلين فى صفوف التنظيم ، حيث يوجد ما يقرب من 900 مقاتل فرنسى فى صفوف التنظيم، أصبحوا يلعبون دورا مهما فى التنظيم، بحيث لم يعد يقتصر دورهم على حراسة الرهائن والأعمال القتالية العادية، بل تطورت مهامهم إلى استقطاب عناصر جديدة، وتشكيل كتائب أجنبية.
 
3- العداء تجاه فرنسا، حيث توجد حالة من العداء الخاص من قبل التنظيمات المتطرفة فى منطقة الشرق الأوسط تجاه فرنسا بصفة خاصة، نظراً لنشاطها الملحوظ فى محاربة التنظيمات الإرهابية على مختلف أطيافها، ومحاولة القضاء عليها، أو على الاقل تحجيم نفوذها ونشاطها، والتى كان آخرها المشاركة فى الحرب على "داعش"، وهذا ما جعل فرنسا تمثل أحد الأهداف المفضلة لدى التنظيمات الجهادية، خاصة فى ظل التقارب بين فرنسا والدول التى تقوم بالحرب على الإرهاب فى المنطقة، سواء من خلال الزيارة التى قام بها الرئيس الفرنسى لهذه الدول، ومنها مصر، أو من خلال تصدير السلاح لتلك الدول، والتعاون معها فى مكافحة الإرهاب. 
 
ثالثاً:- دلالات مهمة:
 
عمليات "داعش" الإرهابية فى باريس، والتي تمت برغم الاحتياطات الأمنية الكبيرة التي كانت فرنسا تعلن أنها تتخذها، من خلال التنسيق الأمني مع العديد من دول العالم، تحمل عدداً من الدلالات، من أهمها:
 
1- الفشل الأمنى: حيث أثبت الحادث فشل الأجهزة الأمنية في متابعة المخططين والمنفذين، برغم أن السلطات الفرنسية قد أعلنت أن أحد المنفذين كان معروفا لدى الجهات الأمنية، وكذلك فشل الأمن الفرنسي فى إحباط العمليات قبل وقوعها، برغم التعاون والتنسيق الأمني الكبير مع دول الاتحاد الأوربي وغيره من دول العالم، والسياسيات الأمنية التى كانت فرنسا تعلن أنها تقيها من العمليات الإرهابية.
 
2- الاحترافية فى التنفيذ: حيث إن منفذي تفجيرات باريس هم مجموعة عالية الاحترافية. وكما ذكر الأمن الفرنسي، فغالبيتهم كانوا يرتدون أحزمة ناسفة، مما يعني أن معظم منفذي العملية من الانتحاريين، الذين يتمتعون بقدر عال من الثبات الانفعالي، وقدرات عالية من التجهيز التدريبي، والتعامل مع كافة أنواع الأسلحة. والملاحظ أن هناك جرأة شديدة لا تتوافر إلا لشخص تمرس في ساحات مفتوحة من العمل الإرهابي، مثل سوريا، والعراق، وليبيا، مما ساعدهم على تراكم خبرات كبيرة، تؤهلهم لأن يقوموا بتلك العمليات في شوارع العاصمة الفرنسية، وارتكاب أعمال بهذا المستوى.
 
3- البعد الأيديولوجي: فالعمليات الأخيرة في قلب باريس كشفت عن أن القارة الأوروبية، برغم بعدها الجغرافي عن بؤر التطرف والإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، ليست بمنأى عن الأفكار المتطرفة الموجودة في المنطقة، والتي يمكن أن تتحول إلى إرهاب حقيقي على الأرض.
 
4- الأزمات الاجتماعية: يبدو أن قطاعاً من المسلمين الأوروبيين من أصول عربية وإفريقية يشعرون بحالة من الاغتراب في مجتمعاتهم الأوروبية بشكل عام، وفى فرنسا بشكل خاص، ربما بسبب شعورهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ويفتقدون في بعض الأحيان القدرة على ممارسة الشعائر الدينية بحرية كما في دولهم الأصلية، كارتداء الحجاب، ورفع الأذان، مما ولدّ لدى بعضهم شعورًا بعدم الارتياح، وفقدان الهوية، مما دفع بعضهم في كثير من الأحيان إلى التشدد والتعصب، ثم إلى العنف، وحمل السلاح.
 
وأخيراً، فقد أثبتت العمليات الأخيرة فى باريس أنه ليست هناك دولة في العالم بمنأى عن الإرهاب، مهما تكن قوة أجهزتها الأمنية، وما تتخذه من إجراءات، خاصة أن أفكار التنظيمات المتطرفة الكبرى، مثل "داعش"، أصبحت أشبه بمظلة عابرة للحدود، لاسيما وأن الفترة المقبلة يمكن أن تحمل إلى أوروبا ظاهرة "العائدين" بتأثيراتها المختلفة، مما سيجعل فرنسا ومعها الدول الغربية في انتظار موجات إرهابية، ستتوقف حدتها على مدى قدرة تلك الدول على مقاومة الأفكار المتطرفة، والخلايا النائمة، لكن دون الانسياق إلى سياسيات أمنية جائرة، يمكن أن تأتى بنتائج عكسية.
طباعة

    تعريف الكاتب

    علي بكر

    علي بكر

    مساعد رئيس تحرير السياسة الدولية و خبير الحركات المتطرفة