مقالات رأى

مخاطر هجرة المسيحيين من العراق

طباعة
لم تكن الصهيونية العالمية بمنأى عما يحصل في الدول الإسلامية . وتحديداً الدول العربية التي تقع في قلبها "إسرائيل"، وتلك من الحقائق التي لا تحتاج إلى برهان، وتتطلب من الجميع مسؤولية دينية وأخلاقية للتفتيش عن مكامن الجهد الصهيوني حيثما وجد .
 
إن المخاطر الكبرى للدور الصهيوني في العراق لم تبدأ مع غزوه في العام 2003 بل هي أبعد من ذلك بكثير في إدراك صهيوني متقدم لمكامن قوة العرب، تلك القوة التي انتجت أطول وأوسع امبراطورية في التاريخ الإنساني الوسيط، إلا أن ملامح التدمير الأساسية أو بدايات التحول المطلوب بدأت بعد احتلال العراق في سابقة غادرتها النظم المتحضرة منذ نهاية القرن الخامس عشر وحتى الآن، تلك التي أشار إليها بوش الابن في واحدة من أخطر زلات اللسان في العالم .
 
المجتمع العراقي ومنذ الاحتلال تعرض إلى موجات تدمير منظمة أولاها مع قدوم طبقة سياسية ترافقت مع الاحتلال وهي، أو بعضها في الأقل، ما زالت تحتكر السلطة من دون تغيير جوهري يذكر، كذلك فهي مكلفة بادوار أقل ما فيها تقويض أسس البنيان المجتمعي والسياسي والاقتصادي والديني كذلك، ثم المباشرة في تنفيذ هجرات منظمة بعضها ذات طابع طائفي سياسي وأخرى ذات طابع ديني، أو في الأقل تلبست بلبوس الدين ولكنها ذات طابع أو بعد وظيفي سوسيولوجي، والأخطر من ذلك أنها استهدفت تفكيك الأواصر التاريخية الجامعة للمجتمع وهو الهدف الذي تسعى إليه الصهيونية العالمية بامتياز .
 
الموجة الأولى طالت شريحة (البعثيين) في زعم أنهم من أزلام النظام السابق، في وصفة لغوية هابطة المعنى هي (الاجتثاث)، وعلى المرء أن يتخيل العدد الهائل من المجتثين المنضوين تحت لواء حزب حكم البلاد على قاعدة الحزب القائد خمسة وثلاثين عاماً، ارتبطت فيها مصالح الناس ومصائرها بذلك النظام، وقد امتدت موجة التهجير عقداً من السنين أو تزيد قليلاَ، وتلك الموجة هي التي أسست لموجات تهجير لاحقة بنجاح منقطع النظير، وهي أول من أرسى دعائم الخسارة النوعية في تاريخ العراق المعاصر كونها استبطنت في استهدافها الكثير من الكفاءات العلمية والسياسية والمهنية وسواها، ولعلنا نتصور حجم المهجرين الهائل من ذوي الكفاءات النوعية النادرة التي توزعت في الأردن ومصر ودول الخليج من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات .
 
موجة التهجير الثانية اتخذت طابعاً دينياً وكانت تستهدف أصحاب الديانات غير الإسلامية، من صابئة مندائيين وشبك وإيزيدية، ولكنها كانت تركز على المسيحيين بشكل خاص وابتدأت بالأديرة والكنائس ودور العبادة والمدارس الدينية، وكان هذا الاستهداف مضاداً نوعياً لدور المسيحيين البارز في تاريخ العراق السياسي المعاصر، إذ كان تواصلهم التاريخي والحضاري تعبيراً عن الوجود الأصيل وغير الطارئ، ومثلما كان لغيرهم في العراق دور اساسي كان للمسيحيين دور أبرز، فمنهم الكفاءات العلمية النادرة وأصحاب رؤوس الأموال ومالكو المعامل والمصانع في العراق ولعل (حسو إخوان) من العلامات الفارقة المميزة للوجود المسيحي الفاعل .
 
اليوم يتعرض المسيحيون وسواهم من الطوائف الدينية الأخرى في العراق، وتحديداً في الموصل القابعة تحت سيطرة "داعش"، إلى استهداف أرواحهم وممتلكاتهم مثلما يتم استهداف أماكن عباداتهم، وقد خيروا بين ثلاث، الخيار الأول ترك الديانة المسيحية وقبول الإسلام الداعشي ديناً، وهو الخيار الذي رفضه عموم المسيحيين على قاعدة أن لا إكراه في الدين .
 
أما الآخر فهو قبول الجزية على قاعدة أهل الذمة وهو الخيار الذي لم يعد مقبولاً وفق القواعد التي تقر بأصالة الوجود المسيحي في العراق، وهنا يتجلى المعيار الهابط والفكر المنحدر من دياجير ظلمة الاختلال الفكري الإنساني في تجسيده هضم حقوق الناس وجرح الكبرياء الإنسانية، أما الخيار الأصعب الآخر فهو ترك البلاد وقبول التهجير قسراً وهو الخيار الذي لجأ إليه معظم المسيحيين في الموصل بعد إعلان فرنسا وبعض الدول المسيحية في أوروبا قبول لجوئهم إليها .
 
إن استمرار التهجير القسري للمسيحيين أو سواهم من أصحاب الديانات الأخرى في العراق سينتهي بمثل ما انتهى إليه التهجير القسري على أسس سياسية، وهي خسارة نوعية مجتمعية لا يمكن تعويضها في القادم من الأيام ولها من الدلالات السوسيولوجية والقانونية ما يمكن الاشارة إليه ب:
 
اولاً: على خلاف القواعد الأخلاقية الضامنة لحقوق الإنسان في العالم، يذهب دعاة التهجير إلى إفراغ المحتوى العام لتلك الحقوق وبما يجعل الوجود الإسلامي في الدول المسيحية عرضة للمساءلة والمراجعة وربما المعالجات التي تصيب ذلك الوجود في الصميم، لا سيما في ظل تصاعد موجة الإرهاب الدولي التي تستهدف أوروبا كسواها من الدول الأخرى . 
 
ثانياً: إن مؤثرات الفوضى التي خلفتها الولايات المتحدة الأمريكية قد تجاوزت الحدود المرسومة لها وحتى المسموح بها، وبالتالي فإن موقف المجتمع الدولي لا ينبغي أن يتوقف ضمن حدود المُشاهد السلبي لما يحصل، وانما المباشرة بجهد دولي فاعل لإنهاء المهزلة الإنسانية والسياسية في العراق، كذلك ينبغي الانصراف إلى معالجة تداعيات الفوضى الأمريكية بقدر عال من المسؤولية والشعور بالخطر المشترك، ومن ثم فان مخاطر هجرة المسيحيين من العراق لن تتوقف عند حدوده وإنما ستكون الثقافة الهابطة التي سترسي قواعد جديدة للصراع بين الدول، مثلما أشار اليه هننتغنتون بحدود الدم (الإسلامية) .
 
-------------------
* نقلا عن الحياة اللندنية، الأحد 17/8/2014.
طباعة

تعريف الكاتب

حسين حافظ