تحليلات - عالم عربى

زيارة البشير: الشراكة الاستراتيجية بين مصر والسودان.. الأهمية والأبعاد

طباعة
ودع الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" نظيره السوداني "عمر البشير" يوم 27 يناير 2019، بعد ختام زيارته للقاهرة التي استغرقت يومًا واحدًا. وقد جدد الرئيسان حرصهما على استمرار التشاور والتنسيق بينهما لتحقيق مصالح الدولتين. وخلال مباحثاتهما، استعرضا مسار العلاقات الثنائية في إطار مخرجات الدورة الثانية للجنة الرئاسية السودانية- المصرية المشتركة التي عقدت بالخرطوم في 25 أكتوبر 2018، وأكدا ضرورة مواصلة دفع التعاون المشترك بين الدولتين في شتى المجالات. 
 
أهمية وأبعاد الزيارة:
*ترسيخ الشراكة الإستراتيجية: تأتى زيارة الرئيس"البشير" للقاهرة تتويجًا للعديد من الجهود المثمرة التى بذلت على مدار العامين الماضيين وقادها الرئيس "عبد الفتاح السيسي" لتأسيس شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة بين القاهرة والخرطوم. حيث شهد عام 2018 عقد 7 لقاءات بين الرئيسين، كما عقد 24 اجتماعا بينهما منذ منتصف 2014، وهو عدد من اللقاءات يعد قياسياً، فلا يتسنى عقده لأي رئيسين آخرين بسهولة، مما يؤكد حرص القيادة السياسية على استمرار التواصل والتنسيق مع السودان، ويعكس إدراك القيادة السياسية المصرية لعمق وأهمية العلاقات بين الدولتين. وقد أدى استمرار التواصل المكثف بين القيادتين السياسيتين إلي تخطي كافة العقبات التي حالت سابقا سبل تعزيز التعاون بينهما. كما تكتسب زيارة "البشير" أهميتها، لأنها أول قمة ثنائية مع الرئيس "السيسي" بعد زيارته الناجحة للخرطوم في 25 أكتوبر 2018 والتي وضعت أسس الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين عبر تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والثقافي بينهما، وشهدت عقد اجتماع اللجنة العليا المشتركة الثانية برئاسة "السيسي –البشير"، وتوقيع 12 اتفاقاً للتعاون المشترك بين الدولتين في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والأمنية. 
*تعزيز التعاون السوداني -العربي: تأتي الزيارة في سلسلة من الزيارات التي يقوم بها الرئيس السوداني "عمر البشير" لعدد من الدول العربية، بدأها بزيارته المفاجئة لسوريا يوم 16 ديسمبر 2018، ثم قام بزيارة قطر في منتصف يناير 2019، ثم مصر، وأعلنت الخرطوم أنه سيقوم بزيارة قريبا للكويت. هذا التكثيف في زيارات البشير للدول العربية يهدف لتعزيز التعاون بين السودان ومختلف الدول العربية، ويؤكد حرص الأخيرة على دعم السودان أمام أي أزمات خارجية أو داخلية. 
*البعد الإقليمي: تمر الأوضاع العربية خلال عام 2019 بمرحلة انتقالية، فهناك تطورات بالغة الأهمية بالملفين اليمني والليبي، فضلا عن ترتيبات عقد القمة العربية في مارس 2019، والحديث حول إمكانية عودة تمثيل سوريا بالجامعة بعد إعادة افتتاح عدد من السفارات العربية بدمشق، مما يتطلب استمرار التشاور بين الدول العربية لبلورة موقف عربي موحد من تلك القضايا. كما تتعدد التحديات الإقليمية التي تواجهها الدول العربية. فعلي الرغم من الإعلان عن هزيمة تنظيم "داعش"، فإن مخاطر الإرهاب لا تزال مستمرة، ولذا يشدد الرئيس "السيسي" دوما على ضرورة العمل على دفع الجهود الدولية الرامية للتصدي للإرهاب، في إطار استراتيجية شاملة تسعى للقضاء عليه. 
 
نتائج القمة المصرية- السودانية: 
عقد الرئيسان، المصري "عبد الفتاح السيسي"، والسوداني "عمر البشير"، مؤتمرا صحفيا عقب انتهاء مباحثاتهما بالقاهرة عصر يوم 27 يناير 2019، أثبت تطابق وجهات نظر القيادة السياسية للدولتين في كافة الملفات والقضايا محل الاهتمام المشترك، حيث:
*وحدة المصير: جددت القيادة السياسية لمصر والسودان تأكيد وحدة المصير بينهما، وهي الوحدة التي تفرضها ثوابت التاريخ والجغرافيا، حيث أوضح الرئيس "السيسي" أن ما يربط بين مصر والسودان من علاقات ووحدة فى المسار والمصير هو رباط أزلى لا انفصام فيه. وكذلك أكد "البشير"  أن ما يربط الدولتين هو التاريخ، والجغرافيا، والحاضر، والمستقبل، والمصير المشترك. ولذا يتوجب على الدولتين استمرار العمل للحفاظ على أعلى مستويات التنسيق والتكامل بينهما في شتى المجالات لتحقيق المصالح المشتركة بين الشعبين والدولتين في وادي النيل.
*الأمن المائي المصري: دعا "البشير" لضرورة الحفاظ على الأمن المائي المصري، وضمان عدم التأثير فى حقوق مصر والسودان فى مياه النيل بعد الانتهاء من بناء "سد النهضة" الإثيوبي وتشغيله، وأوضح أن المباحثات مع الرئيس "السيسي" تطرقت للتطورات ذات الصلة بالمفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، وأكد الرئيسان أهمية مواصلة العمل للتوصل فى أقرب وقت إلى اتفاق حول ملء وتشغيل السد بما لا يؤثر فى مستقبل الأمن المائي المصري والسوداني، ووفق الالتزامات الموقعة بين دول حوض النيل بما في ذلك اتفاقية 1959، ورحبا بانعقاد الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل بالقاهرة في ديسمبر 2018. 
*دعم مصري للسودان: ثمّن الرئيس "البشير" كثيرًا الدعم المصري للخرطوم في ظل الاحتجاجات الداخلية المستمرة بالسودان منذ 19 ديسمبر 2018، وأشاد بزيارة وزير الخارجية المصري "سامح شكري" للخرطوم في ديسمبر 2018 وتأكيده أن "أمن واستقرار السودان جزء من أمن مصر واستقرارها"، حيث أكد الأخير خلال زيارته أن "السودان سيتجاوز الظروف الحالية". وأوضح "البشير"أن ذلك يؤكد الدور المصري المهم في دعم استقرار السودان.
*تعزيز الشراكة الاقتصادية: خلال المباحثات المصرية- السودانية بالقاهرة، استعرض الرئيسان جدول عمل وتنفيذ مخرجات الدورة الثانية للجنة الرئاسية السودانية- المصرية المشتركة التي عقدت بالخرطوم في 25 أكتوبر 2018، لاسيما سبل تنفيذ مشروع الربط الكهربائى، والسكك الحديد فى الدولتين، ومشروعات النقل النهري والبري التي ستربط البلدين، وسيتم الانتهاء منها قريبًا، وهذه المشاريع ستعمل على الربط النهري والبري بين مصر والسودان وستكون نواة للربط بين دول القارة الإفريقية كافة.
*تعاون أمنى وعسكري: تفرض التحديات والتهديدات الأمنية الراهنة على السودان ومصر ضرورة تكثيف التعاون الأمني والعسكري بينهما، لاسيما في ظل تصاعد العمليات الإرهابية وسيطرة الميليشيات المسلحة على جنوب ليبيا وهي المتاخمة للحدود المصرية- السودانية، مما يتطلب استمرار التعاون الأمني بين القاهرة والخرطوم للتصدي لأي عمليات تسلل من قبل الجماعات الإرهابية داخل الحدود المصرية أو السودانية، وهو ما أكده الرئيس "البشير"، كما تبناه الاجتماع السابع لدول الجوار الليبي الذي عقد بالخرطوم في نهاية نوفمبر 2019، وأكده الاجتماع الرباعي الذي يضم وزيري الخارجية، ورئيسي جهازي المخابرات بمصر والسودان، وعقد في الخرطوم بديسمبر 2018.
*الشأن الإفريقي: تسلمت مصر في مطلع يناير 2019 رئاسة الاتحاد الإفريقي، وهناك العديد من الملفات محل بحث ودراسة ويعد السودان طرفًا فاعلًا ومؤثرًا فيها، ولذا فقد أوضح الرئيسان ضرورة استمرار التشاور والتنسيق بينهما للعمل على إرساء الاستقرار بهذه الملفات، وتعهد "البشير" بدعم كافة جهود مصر، خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي، مما سيمنح الأخير دفعة قوية للتحقيق التعاون والوحدة الإفريقية المنشودة. ومن بين الملفات الإفريقية التي ستتعاون فيها الدولتان: دعم تنفيذ اتفاق السلام فى جنوب السودان الموقع برعاية الخرطوم. وكذلك دعم الجهود السودانية لحل الأزمة فى جمهورية إفريقيا الوسطى، وتعزيز التعاون بين الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، بعد تشكيل رابطة لتلك الدول برعاية المملكة العربية السعودية لتعزيز التعاون الأمني بالبحر الأحمر، بعدّها ممرًا مائيًا دوليًا مهما للعالم، يجب تأمينه، لاسيما في ظل استمرار تهديدات إيران وجماعة الحوثيين باليمن بإعاقة الملاحة في خليج هرمز والبحر الأحمر، مما يمثل تحديًا أمنيًا للدول العربية المشاطئة على البحر الأحمر ومنها (مصر والسودان). 
 
خلاصة القول إن زيارة الرئيس السوداني "عمر البشير" للقاهرة تدعم الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، مما يؤدي لتطوير العلاقات المصرية - السودانية لمستوى غير مسبوق، والارتقاء بها للوصول للتكامل الاقتصادي والتحالف الاستراتيجي، وهو ما سيعود بالنفع والفائدة على مجمل العلاقات العربية – العربية، والعلاقات الإفريقية – العربية، والإفريقية– الإفريقية. وهي دوائر السياسة الخارجية الفاعلة للقاهرة والخرطوم، وهذا ما سيسفر عنه استمرار التشاور لتنفيذ التفاهمات بين الدولتين خلال عام 2019 الذي يشهد رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي.
 
طباعة

    تعريف الكاتب

    منى سليمان

    منى سليمان

    باحثة فى العلوم السياسية.