تحليلات - عالم عربى

اختتام أعمال القمة الخليجية الـ 39 بالرياض .. النتائج والدلالات

طباعة
انعقدت القمة الخليجية الـ 39 في الرياض برئاسة الملك السعودي "سلمان بن عبد العزيز" يوم 9 ديسمبر 2018 واستمرت ليوم واحد. وأكد البيان الختامي لها استمرار مجلس التعاون الخليجي، وأهمية وحدة الصف وبلورة سياسة خارجية موحدة، وتعزيز التعاون العسكري لمواجهة التهديدات الآنية للأمن القومي الخليجي التي يتصدرها السلوك الإيراني العدائي بالمنطقة العربية. وقد اختلفت القمة شكلاً ومضمونًا عن القمة السابقة التي عقدت بالكويت، وترأسها أميرها "صباح الأحمد الجابر الصباح"، وحضرها أمير قطر "تميم بن حمد آل ثاني"، الذي تغيب عن حضور قمة الرياض في مؤشر على استمرار الأزمة القطرية. 
قراءة في البيان الختامي: 
من خلال قراءة البيان الختامي للقمة الـ 39 لمجلس التعاون الخليجي في الرياض الذي أطلق عليه "إعلان الرياض" وتلاه الأمين العام للمجلس "عبد اللطيف الزياني"، يمكن استنتاج ما يلي: 
-استمرار المجلس: جدد البيان الختامي لقمة الرياض حرص دول مجلس التعاون الخليجي علي صيانة كيان المجلس واستمراره كمنظمة إقليمية تضم دول شبه الجزيرة العربية (السعودية، والبحرين، والإمارات، والكويت، وسلطنة عمان، وقطر). هذا التأكيد قد فند جميع التكهنات التي سبقت انعقاد القمة، وتوقعت إلغاءها وتفكيك مجلس التعاون. فكان انعقاد قمة الرياض تجديدا للثقة في أهمية المجلس كمنظمة إقليمية فاعلة ومهمة على الصعيد الخليجي والعربي والإقليمي. 
-التكامل الخليجي: وضع البيان الختامي التكامل الخليجي كهدف أسمى يسعى لتنفيذه، من خلال تفعيل رؤية الملك السعودي "عبدالله بن عبدالعزيز"، التي أقرت في ديسمبر 2015، وتضمنت الانتقال من مرحلة التعاون الخليجي إلى مرحلة الاتحاد الخليجي، وصولاً إلى الوحدة الإقتصادية بحلول عام 2025، وفق برامج عملية محددة. وقررت القمة وضع خريطة طريق تشمل تفعيل الإجراءات اللازمة لتحقيق التكامل الاقتصادي عبر إنشاء السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي، وإصدار الأنظمة التشريعية اللازمة لذلك قبل 2025.
- تفعيل التعاون العسكري المشترك: قررت القمة تعيين قائد للقيادة العسكرية الموحدة للمجلس كخطوة مهمة لاستكمال المنظومة الدفاعية المشتركة، بغية تعزيز العمل الخليجي العسكري المشترك لمواجهة تهديدات الأمن القومي الخليجي. كما سيتم تفعيل القيادة العسكرية الموحدة ومباشرتها لمهامها، وإنشاء الأكاديمية الخليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، بهدف تأسيس القيادة العسكرية الموحدة على أسس استراتيجية متينة، وتأهيل القيادات العسكرية الخليجية لأداء تلك المهام. 
-مكافحة الإرهاب: جدد البيان أهمية الدور المحوري لمجلس التعاون في صيانة الامن والاستقرار في المنطقة، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، من خلال التكامل الأمني لدول المجلس، والتصدي للفكر المتطرف من خلال تأكيد قيم الاعتدال والتسامح والتعددية وحقوق الإنسان، والالتزام بسيادة القانون وإرساء قواعد العدل، والعمل مع شركاء مجلس التعاون في المجتمع الدولي للقضاء على ظاهرة الإرهاب وتجفيف منابعه، ومواجهة ما تقوم به بعض الميليشيات والجماعات الإرهابية من أعمال لتقويض مقدرات وثروات دول المنطقة.
- الأزمة القطرية: تضمن البيان الختامي مطالبة قطر بتنفيذ المطالب الـ 13 لإنهاء الأزمة القطرية المستمرة منذ 5 يونيو 2017 بعدما قررت أربع دول (السعودية، والبحرين، والإمارات، ومصر) مقاطعة قطر دبلوماسيًا واقتصاديًا حتى تنفيذ مطالبها بكف الدوحة عن التدخل في الشأن الداخلي للدول الخليجية والعربية ووقف دعم الجماعات الإرهابية والإلتزام بسياسات حسن الجوار. ووصف وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" تلك المطالب بأنها "منطقية"، ورفض أى تراجع عنها وهو ما يتسق مع الموقفين المصري والبحريني، حيث أوضح وزير الخارجية المصري "سامح شكري" أنه لا يوجد أى تراجع عن شروط إنهاء الأزمة القطرية، وكذلك أكد نظيره البحريني "خالد بن آل خليفة". ورغم ذلك، فإن "الجبير" أكد "أن أعضاء مجلس التعاون حريصون على عدم وجود أي تأثير لأزمة قطر فى المجلس، لأن دول الخليج أسرة واحدة، وأي خلاف يتم حله داخل البيت الخليجي".
-دعم القضايا العربية: جدد البيان دعم دول مجلس التعاون الخليجي للتوصل لحلول سلمية للقضايا السورية، والليبية، واليمنية، ودعم محادثات السويد حول الأزمة اليمنية التي بدأت يوم 7 ديسمبر 2018، وكذلك دعا المجلس بغداد وبيروت للإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية ترسي الاستقرار بالعراق ولبنان، وأكد حرص دول المجلس على بناء علاقات استراتيجية مع العراق. كما أكد دعم تسوية القضية الفلسطينية بناء على حل الدولتين، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. 
 
دلالات سياسية: 
- استمرار التهديد الإيراني: خلال كلمته بالجلسة الافتتاحية للقمة، انتقد الملك السعودي "سلمان بن عبد العزيز" تدخلات السلوك الإيرانى في المنطقة العربية والتدخلات المستمرة التي يمارسها فى الشئون الداخلية للدول. هذا الانتقاد الذي استهل به الملك السعودي كلمته يدل على استمرار السلوك الإيراني كأحد مصادر التهديد للأمن القومي الخليجي وهذا كان الدافع الأول لإنشاء مجلس التعاون الخليجي منذ 1981، كما يدل على استمرار حالة الاشتباك السعودي- الإيراني في عدد من الملفات، لعل أبرزها الملف اليمني، حيث أبدى وفد الحوثيين (المدعومين من إيران) خلال محادثات السويد تعنتا واضحا لمواجهة وفد الحكومة الشرعية لليمن (المدعومة من الرياض). كما أن الأوضاع السياسية بالعراق ولبنان، حيث توجد طهران عبر وكلائها الإقليميين السياسيين والعسكريين بكثافة، مرشحة للتصعيد، إثر فشل الدولتين في الإعلان عن تشكيل حكومي جديد نهائي بعد سبعة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية، حيث تسعى طهران لإشعال أزمات إقليمية تضغط بها على واشنطن بعد تشديد الأخيرة العقوبات الاقتصادية عليها، مما يؤثر سلبًا فى الأمن القومي الخليجي والعربي، وهو ما تدعو الرياض لتجنبه. 
- خطر الحملات الإعلامية: دعا أمير الكويت الشيخ "صباح الأحمد الصباح" في كلمته بالجلسة الافتتاحية للقمة دول مجلس التعاون الخليجي إلي إيقاف الحملات الإعلامية فى الخليج لاحتواء الخلافات. وهي دعوة نادرا ما تصدر من قيادة سياسية خليجية، وتؤكد تأثر العلاقات بين دول مجلس التعاون بالحملات الإعلامية التي يقودها الإعلام القطري تحديدا ضد القيادة السياسية في الرياض وأبوظبي، والتي تصاعدت حدتها بعد مقاطعة الرباعي العربي للدوحة. وتأتي دعوة الشيخ "صباح" أيضا في إطار الوساطة الكويتية التي لا تزال مستمرة لحل الأزمة القطرية. وقد ثمن البيان الختامي للقمة تلك الوساطة. 
- استمرار السلوك القطري: شهدت قمة الرياض حضورا مكثفا من قبل القيادات السياسية الخليجية، حيث رأس القمة الملك السعودي "سلمان بن عبد العزيز"، وحضرها أمير الكويت، الشيخ "صباح الجابر"، ونائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم"، وملك البحرين، "حمد بن عيسى آل خليفة"، ونائب رئيس الوزراء بسلطنة عُمان، "فهد بن محمود آل سعيد"،  وهؤلاء يمثلون أرفع القيادات السياسية في دولهم، بينما تغيب أمير قطر "تميم بن حمد آل ثانى" عن القمة، ومثله فيها وزير دولة للشئون الخارجيّة، "سلطان المريخي"، وهو تمثيل ضعيف مقارنة بالتمثيل في القمة، ويدل على استمرار السلوك القطري المغرد خارج السرب الخليجي، كما يشير إلى استمرار الأزمة القطرية للعام القادم أيضا الذي سيشهد عقد القمة الخليجية الـ 40 في أبوظبي، ومن المرجح أن يتغيب عنها أمير قطر "تميم"، أيضا، لعدم وجود أى بوادر تنذر بحل الأزمة قريبا. 
 
رؤى استشرافية: 
أعلن عن إنشاء مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو 1981 خلال قمة خليجية بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، وكان الهدف منه التصدي للتهديدات الايرانية، وتعزيز التعاون الخليجي. وبعد مرور 37 عام على إنشائه، شهد  39 قمة خليجية. يمكن القول إن المجلس مستمر وباق بشكل أكثر قوة وتنظيما مما سبق. فرغم أنه واجه خلال العام الماضي أزمة بنيوية تمثل في مقاطعة دولة من أعضائه، فإن سائر الأعضاء تمسكوا بالمجلس وأكدوا رغبتهم في استمراره بغض النظر عن السلوك القطري، لأن دوافع إنشائه لا تزال مستمرة. فالتهديدات الايرانية للأمن القومي الخليجي تتصاعد، وهناك عدة مراحل لم تكتمل حتى اليوم للوصول للاتحاد الخليجي.  وهنا، يبقي التساؤل: ما هو مستقبل عضوية قطر داخل منظومة دول مجلس التعاون الخليجي؟ وهذا يخضع لعدة سيناريوهات هي: 
-انسحاب قطر: أعلنت الدوحة أخيرا الانسحاب من عضوية منظمة الأوبك، نظرًا لتهميش دورها بالمنظمة. وربما تكرر التجربة نفسها مع مجلس التعاون الخليجي، وتعلن انسحابها من المجلس، وهذا لن يؤثر فى الأخير في شىء، ولكن ستكون له تداعيات سلبية علي قطر التي تعاني صغر المساحة والسكان والعزلة السياسية، وغياب أى دور إقليمي لها، وهذا سيدفع الدوحة لتعزيز تعاونها مع أنقرة وطهران. بيد أن ذلك سيعرضها لجملة من التهديدات على المديين المتوسط والطويل، حيث سيتوجب عليها أن تدور في فلك السياسة الخارجية لكل من تركيا وإيران، والتي تمثل تهديدا للأمن القومي الخليجي والعربي. فالدولتان تحتلان أجزاء من دول عربية. كما أنه سيعرض قطر لتحديات جديدة تتمثل في الغزو الثقافي والاقتصادي التركي تحديدا.
-استمرار بروتوكولي: وهذا السيناريو يقضي باستمرار الوضع القائم لسنوات قادمة، حيث لا تقوم الدوحة بأى بادرة لحسن النيات لحل الأزمة، أو تنفيذ أي مطلب من مطالب الرباعي العربي، بيد أنها تحرص على حضور القمم والاجتماعات الخليجية، ولو بأقل تمثيل. 
-إنهاء الأزمة: وهذا سيتم عبر قبول قطر بتنفيذ المطالب الـ 13، وهذا لن يتم إلا بتغيير السلوك القطري والقبول بتنفيذ مطالب الرباعي العربي، من خلال أمرين. الأول: تغيير إدراك القيادة السياسية الحاكمة بقطر، أو تغيير النخبة الحاكمة نفسها. الأمر الآخر: ضغط خارجي تنصاع له الدوحة ويؤثر فيها، وربما يتمثل ذلك في وساطة أمريكية تنجح في تحقيق مصالحة. وهذا السيناريو ربما ينفذ قبل أو بعد عقد القمة "الأمريكية - الخليجية" المقررة في الربع الأول من 2019 ، حيث يسعى الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لإنشاء تحالف إقليمي لمواجهة التهديدات الإيرانية بالمنطقة، ولذا فلن يكون من المقبول وجود تحالف قطري – إيراني، وتعاون عسكري بين الدولتين. 
 
مما سبق، نجد أن مجلس التعاون الخليجي سيستمر، وربما يحقق المزيد من الإنجازات والمشاريع التي تؤدي للإعلان عن الاتحاد الخليجي، والتي ستسهم في مواجهة التهديدات المتفاقمة للأمن القومي الخليجي والعربي، خاصة أن دوافع إنشاء المجلس لا تزال مستمرة، بل أضيفت إليها تهديدات جديدة تتمثل في مكافحة الإرهاب، وزعزعة الاستقرار بالمنطقة، مما يؤكد ضرورة التمسك بالمجلس كمنظمة إقليمية عربية فاعلة.
 
طباعة

    تعريف الكاتب

    منى سليمان

    منى سليمان

    باحثة فى العلوم السياسية.