تحليلات - عالم عربى

أي مصير ينتظر "الدواعش المحليين" في سوريا والعراق؟

طباعة
أثار إعلان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في التاسع من ديسمبر الجاري عن انتهاء وجود تنظيم داعش، عقب سيطرة القوات العراقية على الحدود السورية – العراقية، تساؤلات مهمة حول مصير المقاتلين المحليين فى صفوف تنظيم داعش عقب انهيار التنظيم. 
جاء ذلك فى ظل تقارير تشير إلى احتمالية عودة العناصر الداعشية مجدداً، نظراً لأن البيئة التي أسهمت في بروزهم لا تزال قائمة،ـ ولاسيما ما يتعلق بأزمتي الطائفية والفساد. ويستلزم الإجابة على مثل هذه التساؤلات إلقاء الضوء على أبرز السمات الخاصة بالدواعش المحليين، التي تميزهم عن نظرائهم الأجانب، ثم أي مصير يمكن أن يتجه إليه أولئك الإرهابيون؟.
 
سمات خاصة بالدواعش:
ينتمي غالبية العناصر المحلية داخل صفوف تنظيم داعش إلى المناطق التي يوجدون فيها، والتي كان يسيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق، لذا فهم يتصفون بسمات ستؤثر فى توجهاتهم المستقبلية، ومن أبرزها ما يأتي:
(*) مواطنون محليون: حيث إن أعضاء داعش من العناصر المحلية، هم في الأصل مواطنون انخرطوا في صفوفه بسب وجوده وانتشاره في المناطق التي كانوا يعيشون فيها، ولم يأتون من دول أخرى للالتحاق بالتنظيم، مثل المقاتلين الأجانب. بالتالي، فهم يرتبطون بالأرض بشكل كبير، وليس لديهم دافع الرغبة لمغادرتها.
على ذلك، فمع انهيار داعش ستبقى عناصره المحلية داخل البلاد، ولن تسافر إلى الخارج، إلا إذا اضطرتهم الظروف لذلك، مثل الخوف من القتل، أو السجن، بخلاف المقاتلين الأجانب، الذين لديهم خيار العودة لبلادهم (العائدين)، أو التوجه إلى إحدى البؤر المشتعلة الأخرى للالتحاق بأي من التنظيمات الإرهابية، وهم من يطلق عليهم (المقاتلون الجوالة).
(*) تعدد دوافع الانخراط : لا يعد "العامل الفكري" الدافع الوحيد وراء انضمام  العناصر الداعشية المحلية للتنظيم، بخلاف العناصر الأجنبية التى يمثل لها هذا العامل أهمية كبيرة، حيث تتعدد دوافع العناصر المحلية ما بين "اقتصادية"، و"اجتماعية"، و"انتقامية"، إضافة إلى دوافع أخرى، مثل الرغبة في الحصول على حماية التنظيم من الطائفية، لكن هذا لا يتنافى مع وجود أعداد غفيرة قد انخرطت في داعش بسبب "العامل الفكري". وبالتالى، فإن تعدد الدوافع يمكن أن يتيح لقطاعات من الدواعش المحليين خيارات متعددة في مرحلة ما بعد التنظيم.
(*) القدرة على التخفي: نظرا لأن العناصر المحلية فى صفوف داعش من نفس التركيبة السكانية فى المناطق التي ينشط فيها التنظيم غالباً، أو من المناطق القريبة منها جغرافياً،  لذا فهم لا يختلفون عن المواطنين المحليين، من حيث الشكل، والملامح، واللهجة.
 وقد يمكنهم ذلك من التخفي والذوبان بين السكان، فى حالة إذا ما كانوا مطلوبين أمنيا، خاصة أنهم على دراية كبيرة بطبيعة الأرض، والعائلات، والقبائل، وخريطة العلاقات الاجتماعية، مما يجعل لديهم القدرة على التحرك والانتقال من مكان إلى آخر، دون لفت الأنظار، ريثما يتمكنوا من تحديد مساراتهم المستقبلية، بخلاف "المقاتلين الأجانب"، الذين يفتقدون تلك السمة، لذا ليس لديهم القدرة على التخفي أو الذوبان.
(*) شبكة العلاقات الاجتماعية: بما أن المقاتلين المحلين هم من أبناء وسكان المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش، لذا فهم يتمتعون بشبكة علاقات اجتماعية جيدة، بسبب القرابة والمصاهرة، فضلاً عن الانتماء القبلي والعائلي. وهذا ما يسمح لهم بالحصول على قدر من المساعدة والدعم فى وقت الأزمات، مثل الإيواء والاختباء، إضافة إلى الدعمين المادي والمالي، نظرا لأن العلاقات الاجتماعية فى المنطقة العربية تتسم بالتماسك، والتشعب، والانتشار الجغرافي بين العديد من المناطق.
 
مسارات محتملة:
نظراً للسمات السابقة التي يتميز بها المقاتلون الدواعش المحليون، والتي تعد ميزات نسبية في مجملها، مقارنة بالمقاتلين الأجانب، نظراً لأنها ستمنحهم مسارات وخيارات متعددة، في مرحلة ما بعد سقوط التنظيم، يمكن تحديد أهمها في الآتي:
(*) مواصلة القتال: برغم تعدد دوافع العناصر الداعشية المحلية للانضمام للتنظيم، فإن هناك أعدادا كبيرة قد انضمت بسبب القناعة الفكرية، وهذا ما سيجعلهم يعتقدون أنه يجب عليهم مواصلة القتال، حتى الموت بكل الوسائل والطرق، لأن ذلك - حسب اعتقادهم - يعد من الجهاد في سبيل الله. ومثل هذا الخيار غالبا ما يكون مفضلا لدى تلك الشريحة، خاصة أن العديد منهم يرى أن الموت أفضل من الأسر، ودخول السجن.
(*) العنف المنفرد: هناك أعداد من الدواعش المحليين، خاصة ممن يعتنقون أفكار التنظيم، لم يتمكنوا من الالتحاق بالمجموعات الداعشية التي فرت إلى الصحراء والمناطق النائية، عقب انهيار التنظيم. وفى الوقت نفسه، لم يتم القبض عليهم، وغالبا ما سيفضلون خيار ممارسة العنف بشكل منفرد، مثل تنفيذ بعض عمليات القتل ضد رجال الجيش أو الشرطة، أو حتى ضد أبناء الطوائف الأخرى، أو الاعتداء على بعض المنشات الحكومية، لاسيما أن العمل بشكل منفرد غالبا ما يكون أكثر أمنا لهم من العمل الجماعي. 
(*) تكوين مجموعات إرهابية: نظرا لأن الفكر الداعشى غالبا ما يكون متجذرا بشكل كبير في عقول معتنقيه، ويصعب تخلص العناصر المنتمية لهذا الفكر، إلا من خلال مراجعة فكرية ذاتية صادقة، لذا تسعى بعض العناصر إلى  إحياء التنظيم، من خلال تكوين مجموعات إرهابية تعمل بشكل سرى للغاية، مما يمكنها شن هجمات إرهابية فى المستقبل، خاصة إذا ما أتيحت لهم الفرصة لذلك، وغالبا ما ستبدأ نشاطها كمجموعات صغيرة، وذلك خوفاً من الاختراق الأمني، نظراً لأنه كلما زاد عدد المجموعة زاد احتمال هذا الاختراق.
(*) الانضمام لتنظيمات إرهابية أخرى: وهو خيار سيكون متاحا أمام العناصر الموجودة فى منطقة بها تنظيمات ارهابية أخرى، مما سيسهل على بعض تلك العناصر الانخراط في تلك التنظيمات، وهذا الانضمام غالبا ما سيكون بالنسبة لهم من باب الضرورة، وليس من الاقتناع، ولفترة زمنية محددة، وذلك من اجل الاحتماء بها، نظراً لان "العائق الفكري"، سيمنعها من الانخراط العقائدي، حتى تتمكن هذه العناصر من إيجاد مسار آخر يتناسب مع وضعهم الفكرى والتنظيمى.
(*) الابتعاد والانعزال: نظرا لأن هناك عددا من العناصر المحلية داخل تنظيمات داعش، قد انضمت بدوافع غير فكرية، وإنما لتحقيق مصالح ذاتية، لذا فمع انهيار التنظيم ، سيفضل أولئك العناصر العيش في حالة من الانعزالية والابتعاد عن العمل التنظيمي بشكل نهائي، وعدم محاولة تكرار تلك التجربة، نظرا لإدراكهم للمخاطر التى يمكن أن يتعرضوا لها إذا ما عادوا للعنف من جديد، أو إذا ما تم  القبض عليهم، لاسيما وأنه ليس هناك عامل فكري، يدفعهم للاستمرار فى ذلك الطريق، ومن ثم قد يسعون إلى العيش في حياة طبيعية هادئة.
 
أخيرا، يمكن القول، إنه برغم تعدد المسارات والخيارات المتاحة أمام العناصر الداعشية، المحلية بعد تفكيك أو انهيار التنظيم، مقارنة بالدواعش الأجانب الذين تبدو خياراتهم ضيقة ومحدودة، فإن تلك المسارات تتوقف احتمال حدوثها على طبيعة كل عنصر داعشي، من حيث درجة اعتناقه للفكر وقدرته على الإفلات من القبضة الأمنية، فضلاً عن قوة شبكة علاقاته الاجتماعية، الأمر الذى يشير الى أن طريقة مواجهة العناصر الداعشية المحلية ستختلف كثيراً عن العناصر الأجنبية.
 
طباعة

تعريف الكاتب

علي بكر

علي بكر

مساعد رئيس تحرير السياسة الدولية و خبير الحركات المتطرفة