تحليلات - عالم عربى

التداعيات الإقليمية للأزمة اليمنية بعد مقتل "صالح"

طباعة
مثَّل مقتل الرئيس اليمني السابق "علي عبد الله صالح" على يد ميليشيات الحوثيين فى 4 ديسمبر 2017 بداية مرحلة جديدة للأزمة اليمنية التي ستشهد مزيدًا من التعقيد والتأزم والتدخل الخارجي، ثم برز عدد من المؤشرات الإقليمية والدولية تظهر تداعيات الأزمة اليمنية بعد مقتله، لاسيما وأن هذا الحادث أسهم في تعزيز النفوذ الإيراني باليمن عبر حليفها "الحوثي"، وذلك في ظل تأكيدات على قيام طهران بتسليح الحوثيين بصواريخ باليستية، مما يمثل تهديدًا للأمن القومي الخليجي والعربي.
محاولات الحسم السريع: 
تسعى إيران لتكثيف المواجهة العسكرية في اليمن إعمالا لمبدأ "الحسم السريع" الذي تعتمد عليه كثيرًا لحسم الملفات الإقليمية المشتبكة معها في العراق، وسوريا، واليمن، كما تسعى قوات التحالف العربي الداعم للشرعية في اليمن الممثلة في الرئيس منصور عبد ربه هادي، إلى حسم المعارك التي بدأت في 26 مارس 2015، ولم تنته حتى الآن، وقد ظهرت عدة مؤشرات على ذلك كالآتى:
*الإسراع بإغتيال "صالح": أعلن الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح (75 عاما، حكم اليمن على مدى 33 عاماً، وتنازل للحكم لنائبه بعد ثورة 2011) قبل مقتله بيوم واحد تراجعه عن التحالف مع الحوثيين، ورغبته في فتح "صفحة جديدة" مع التحالف العربي لدعم الشرعية باليمن، ودعا "صالح" القوات المسلحة لرفض تنفيذ تعليمات "الحوثي" لأن مرجعيتهم للجيش اليمني فقط، وهو الأمر الذي مثَّل تهديدا للحوثيين بفقدان السيطرة على صنعاء. 
وجاء تحول موقف "صالح" نتاجا لنشوب الخلافات مع الحوثي، إثر رفضه تنامي نفوذ الحوثيين بصنعاء على حسابه. وقد رحب التحالف بهذا التحول في موقف صالح، وبدت هذه الخطوة آنذاك بارقة أمل لحل الأزمة اليمنية. بيد أنها لم تدم طويلا، فسارعت ميليشيات "الحوثي" باغتياله، وتعددت الروايات حول ملابسات مقتله التي لا تزال غامضة حتى الآن، حيث إنه خرج من منزله بصحبه قيادات أمنية وعسكرية مقربة منه دون حراسة، ثم تعرض موكبه لكمين وهوجم من قبل الميليشيات الحوثية وتم قتله والتمثيل بالجثة.
 *نشر الفوضى بصنعاء: فور مقتل "صالح" بدأت ميليشيات "الحوثيين" بشن عمليات ممنهجة للانتقام وتصفية قيادات حزب المؤتمر الشعبي التابع "لصالح"، حيث قتلت واعتقلت المئات من أعضاء الحزب، ونكلت بهم. كما سيطرت على مقار المؤسسات الحكومية الحيوية كمبني الإذاعة والتليفزيون اليمني، وشبكات الإنترنت.
*بدء عملية عسكرية لتحرير صنعاء: إعلن الرئيس اليمنى "عبد ربه منصور هادى"(موجود بالرياض) غداة مقتل "صالح" انطلاق عمليات عسكرية موسعة لتحرير صنعاء من قبضة الحوثيين، وأطلق عليها اسم "صنعاء العروبة"،كما أصدرت قيادات الجيش الوطنى اليمنى أوامر بتحريك 7 ألوية من مأرب لفتح جبهة خولان والتحرك نحو صنعاء، كما أعلن بعد ذلك عن عفو عام وشامل لكل مواطن يمني يتراجع عن دعم الحوثيين وينضم لقوات الشرعية لتحرير البلاد منهم. 
*ارتفاع حدة القتال بين الطرفين: دارت معارك عنيفة بين قوات الرئيس اليمني"عبد ربه منصور هادي"، المدعومة من التحالف العربي، ومسلحي جماعة "أنصار الله" الحوثيين في محافظة مأرب شمال شرق اليمن، وفي تبة المطار، وتباب القاضي في مديرية صرواح، وشهدت محافظة الجوف الحدودية مع السعودية مواجهات عنيفة بين الطرفين، وكذلك في منطقة الأجردي بمديرية الزاهر بمحافظة البيضاء، وشن الحوثيون هجوما عنيفا على الحدود اليمنية-السعودية، مما أسفر عن مقتل وإصابة عسكريين سعوديين في مجازة بقطاع عسير.
تحديات التسوية:
 *اختراق الحوثي لحزب "صالح": مثلت الطريقة التي قتلت بها ميليشيات "الحوثي" الرئيس اليمني السابق "على عبدالله صالح"، وتمثيلهم بالجثة، ثم تفاخر "الحوثي" بمقتله، وإعلان هذا اليوم انتصاراً تاريخياً، وما تبع ذلك من دفن جثمانه ليلاً بسرية تامة بحضور 5 من أفراد عائلته فقط، ليس بينهم نجله "أحمد" - مثلت استعداءً واضحًا لقبيلة "صالح" وقواته وعائلته التي تعهدت على لسان نجله "أحمد" بالثأر له ولمقتله بهذه الطريقة، والقتال حتى إخراج الحوثيين من اليمن. 
بيد أن الأمر له العديد من التعقيدات الميدانية والتشابكات العقائدية والقبلية، خاصة أن نجل صالح "أحمد" أكد تعرض والده قبل مقتله لخيانة من أقرباء له ومن عائلته، مما يؤكد أن الحوثيين نجحوا في اختراق قبيلة "صالح"، وأصبح لهم موالين فيها سيعملون وفق مصالح حلفائهم الجدد من الحوثيين.  وأبرز دليل على ذلك، وصف الحوثي في خطابه، بعد مقتل صالح، أعضاء حزب "المؤتمر الشعبي" "بالأخوة"، وأكد أنهم سيتعاونون معه ضد قوى "العدوان"، وهذا دليل على وجود تواصل مباشر بينه وبين عدد من قيادات الحزب المؤثرة. 
*فوضى سياسية وأمنية: تتعدد القوى السياسية الفاعلة باليمن، وهي ميليشيات الحوثيين والحكومة اليمنية الشرعية، الممثلة في الرئيس "هادي"، وحزب الإصلاح المعارض (هو حزب كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين بيد أنه أعلن تبرأه منها)، وحزب "المؤتمر الشعبي" الذي كان يرأسه "صالح"، بيد أن مصيره لم يحدد بشكل نهائي حتى الآن، نظرًا لأنه لم يحدد من سيخلف "صالح" في رئاسته، والمطروح لخلافته حتى الآن هما نجله العميد "أحمد" الذي ترأس من قبل قوات الحرس الجمهوري وهي القوة الأكفأ في الجيش اليمني، ثم عين مطلع 2015 سفيرا لبلاده في الإمارات، وكذلك ابن شقيق صالح "طارق صالح"، وهو أحد القيادات العسكرية لقوات حزب المؤتمر، ويشتهر بمهارته القتالية العالية. هذا فضلا عن الفوضى الأمنية باليمن التي تعد قاعدة للجماعات الإرهابية في المنطقة، حيث توجد فيها بكثافة خلايا تنظيمات "القاعدة" و"داعش"، وتتمركز فى جنوب اليمن.
*التشابك القبلي والعقائدي: يعد المجتمع اليمني من أكثر المجتمعات العربية تعقيدًا وتشابكًا، حيث يسيطر عليه التنافس الطائفي القائم بين الشيعة الزيديين في شمال اليمن، والمذهب الشافعي السنّي في الجزء الجنوبي من البلاد. وهو التنافس الذي لم تنجح الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه في القضاء عليه.هذا فضلا عن التشابك والتعقيدات القبلية والعشائرية التي أجلت التوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية بعد مرور 6 سنوات على اندلاعها. 
*تصاعد النفوذ الإيراني باليمن: أعلن المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" منذ شهر إن "بلاده ستكون موجودة في كل مكان يتطلب حضورها فيه لمواجهة الكفر والاستكبار، من دون اكتراث لأي أحد مهما يكن حجم التهديد". وهذا يؤكد أن طهران ستستمر في الوجود عبر وكلائها الإقليميين من الأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة في العراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، واليمن لتحقيق هدفها الأسمي، وهو بسط نفوذها الإقليمي علي المنطقة العربية كافة. وفيما يخص الأزمة اليمنية، فإن مقتل "صالح" لم يكن سوى تخطيط إيراني بتنفيذ حوثي. وقد أرادت طهران توجيه عدة رسائل بقتله: الأولي للداخل اليمني، وهي أن حلفاءها الحوثيين يسيطرون على الوضع العسكري والسياسي باليمن ويمكنهم قتل من سيتحالف ضدهم، والثانية للخارج تتضمن تهديدا غير مباشر لدول مجلس التعاون الخليجي، عبر السيطرة على مضيق "باب المندب" ومعبر "هرمز". فطهران بذلك تتحكم في معابر التجارة الدولية بما فيها النفط الخليجي، كما يمكنها تهديد الرياض وأبوظبي مباشرة عبر إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه المدينتين، تلك الصواريخ التي سلمتها للحوثيين، وأعلنت السفيرة الأمريكية بالأمم المتحدة "نيكي هايلي" فى 14 ديسمبر 2017 أن الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون على السعودية منذ شهر فوق مطار الرياض، وتم تدميره، هو من صنع إيران، مما يمثل اعتداءً مباشراً وصريحاً على الأمن القومي الخليجي.
*تردي الوضع الإنساني: يعاني اليمن من عدم استقرار سياسي وأمني منذ فبراير 2011 عقب اندلاع الثورات العربية. وبعد انتقال السلطة من "صالح" لنائبه "هادي" في 2012، وفق ما عرف بالمبادرة الخليجية، لم تنته أحداث العنف، بل تفاقم الوضع منذ نهاية 2014، عندما تقدم الحوثيون صوب العاصمة صنعاء وسيطروا عليها، وقتل بعد ذلك ما يقرب من عشرة آلاف قتيل، وتشرد أكثر من مليونين، وأصبح 80% من السكان البالغ عددهم 27 مليون نسمة تحت خط الفقر، وفي حاجة لإعانات عاجلة، كما تفشي وباء الكوليرا الذي أصاب نحو مليون شخص، وأصبح اليمن علي شفا مجاعة، كما تردي الوضع الاقتصادي، وتراجعت العملة اليمنية لأدني مستوياتها.
*الموقف الأمريكي من إيران: نفي وزير الدفاع الأمريكي"ماتيس"عزم بلاده الإقدام على أى تحرك عسكري لمواجهة التدخلات الإيرانية الإقليمية عامة، وفي الأزمة اليمنية خاصة، وذلك غداة خطاب السفيرة الأمريكية "هايلي" الحاد، والانتقادات التي وجهتها لطهران بدعم الحوثيين ومدهم بصواريخ باليستية، ثم قصف الرياض بها. وأكد "ماتيس" أن بلاده ستتحرك دبلوماسيا ضد طهران فقط، مما ينذر باستمرار التدخلات والتهديدات الإيرانية للرياض وأبوظبي لأنها لن ترتدع دون إلحاق هزيمة عسكرية بأحد وكلائها الإقليميين، حيث إن الأساليب الدبلوماسية لم ينتج عنها سوى المزيد من بسط النفوذ الإيراني بالمنطقة. 
 
جهود الاحتواء: 
أخذت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة على عاتقهما مسئولية حل الأزمة اليمنية لمَا تمثله من تهديد مباشر لأمنهما القومي، لاسيما بعد إطلاق صواريخ باليستية على شمال الرياض، انطلاقا من اليمن، ومن بين تلك الجهود: 
*ميدانيًا: أعلنت قوات الحرس الجمهوري الانحياز للشرعية، حيث كشف العميد الركن "عبد السلام الشحي" قائد التحالف العربي في الساحل الغربي فى 12 ديسمبر 2017 عن وجود تعاون ميداني بين قوات الحرس الجمهوري اليمني (كان تابعًا "لصالح" وترأسه نجله "أحمد")، وذلك بمبادرة منهم لمواجهة الميليشيات الحوثية التي تسيطر على صنعاء، وإن قوات التحالف مصممة على تحرير الأراضي اليمنية من سيطرة الميليشيات الحوثية الإيرانية، وهو مؤشر محمود على أن إحدى أكبر القوى المؤثرة باليمن ستنضم لقوات التحالف المدافعة عن الشرعية.  
*سياسيًا: شهدت العاصمة الإماراتية أبو ظبي اجتماعين مهمين لبحث الأزمة اليمنية: الأول هو اجتماع وزراء خارجية "رباعية اليمن" فى 12 ديسمبر 2017 (الرباعية تضم وزراء خارجية السعودية، والإمارات، وبريطانيا، ونائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي)، وأكد  البيان الختامي له على دعم جهود مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لليمن" إسماعيل ولد الشيخ أحمد" في تحريك العملية السياسية في البلاد، وانتقد بيانهم الدعم الإيراني للميليشيات الحوثية الذي أسهم في استمرار الحرب، وقوَّض الجهود السياسية لحل الأزمة.
أما الاجتماع الثاني فكان بين ولي العهد السعودي الأمير" محمد بن سلمان" والشيخ "محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي" فى 14 ديسمبر 2017 مع رئيس حزب" التجمع اليمني للإصلاح "محمد عبدالله اليدومي" لبحث مستجدات الساحة اليمنية، وشارك فيه وزير الدولة السعودي "مساعد بن محمد العيبان". وقد كان حزب "الإصلاح" ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وأعلن تبرأه منها، حيث شارك في العملية السياسية بالبلاد كتجمع سياسي ذى خلفية إسلامية. وأكد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" أن الاجتماع يهدف إلى "ـتوحيد الجهود لهزيمة إيران، وجماعة الحوثيين" باليمن، فيما وصف "اليدومي" الاجتماع بأنه كان مثمراً وإيجابياً. وهذا الاجتماع يعد نقطة فاصلة في الأزمة اليمنية، حيث إنه يكشف عن أمرين: الأول مراجعة قوات التحالف الدولي لاستراتيجتها في حرب اليمن ، التي أصبحت جزءًا من الصراع الأوسع بين السعودية وإيران على النفوذ الإقليمي، والثاني إعادة النظر من قبل الرياض وأبوظبي في التحالف مع الأحزاب السياسية ذى الخلفية الإسلامية لتحقيق مصالحهم، لأنه بعد مقتل "صالح"، واستمرار الفوضى السياسية في حزبه أصبح حزب "الإصلاح" هو الحزب اليمني الأقوى سياسياً وميدانياً، بالإضافة لحزب "أنصار الله" التابع للحوثيين, ولذا، فإن التحالف مع حزب الإصلاح سياسيا وعسكريا قد يضمن الانتصار المرحلي على الحوثيين. 
 
فى الأخير، نجد أن مستقبل الأزمة اليمنية أصبح مرهونًا بموقف القبائل والأحزاب اليمنية على التوحد ضد الحوثيين، الذين أصبحوا القوة الأكبر المسيطرة ميدانيًا بفضل الدعم الإيراني الكبير لهم. والخطوة الأولى لحل الأزمة هي تحرير صنعاء من الحوثيين، ثم رسم استراتيجية شاملة تضم كل المكونات اليمنية بقيادة الحكومة الشرعية برئاسة "هادي"، والعمل على تنفيذ الحل السياسي، وفق قرار مجلس الأمن (2216)، ومخرجات الحوار الوطنى والمبادرة الخليجية، وإلا فإن جميع الخيارات ستكون مطروحة لحل الأزمة، بما فيها استمرار الفوضى السياسية والأمنية، وتقسيم اليمن حال انفصال الجنوب، الذي تتعالى مطالباته بإجراء استفتاء لتقرير المصير، وإعلان دولة اليمن الجنوبي، وهذا بالطبع سيمثل تحديًا جديدًا للأمن القومي الخليجي والعربي على حد سواء.
 
طباعة

تعريف الكاتب

منى سليمان

منى سليمان

باحثة فى العلوم السياسية.