تحليلات - عالم عربى

هل يشكل قرار ترامب حول "القدس" طوق النجاة للمتطرفين؟

طباعة
أثار قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية إلي القدس، والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل موجة غاضب عارمة فى كلا الشارع العربي والإسلامي، فضلاً عن انتقادات واسعة من الحكومات العربية والإسلامية، لن تقتصر تداعياتها على عملية السلام في الشرق الأوسط، وإنما سيكون له تداعيات مباشرة على التيارات المتطرفة في المنطقة، والتي ربما يمثل لها هذا القرار طوق نجاة من العديد من الأزمات التي تعانى منها خلال الفترة الأخيرة، فضلاً عن كونه يمكن أن يدفع باتجاه تصاعد الإرهاب. ويطرح ذلك تساؤلاً مهماً حول أهم التداعيات المحتملة لهذا القرار على تلك التيارات، لاسيما أن القضية الفلسطينية بشكل عام ظلت لعقود إحدى  آليات الجذب والتجنيد عند تلك التيارات.
 
دوافع متعددة:
مثلما كانت، ولا تزال، القضية الفلسطينية حاضرة في شعارات وسياسات الأنظمة العربية منذ الخمسينيات، فهكذا الحال بالنسبة لكل التيارات المتطرفة في المنطقة تقريباً، حيث تقع القضية الفلسطينية على رأس شعاراتها وخطاباتها، وغالبا تستخدمها من أجل خلق وجود قوى لها فى الشارع، نظراً للمكانة الحيوية التي تحتلها تلك القضية فى نفوس المواطنين.
فقد ظلت جماعة الإخوان المسلمين وفروعها المختلفة طوال تاريخها الممتد عبر عشرات السنين، ترفع شعارات القضية الفلسطينية، وتنتهز الأحداث المختلفة لإشعال التظاهرات، تحت شعار مناصرة القدس، والدفاع عن فلسطين، وهو ما مكَّنها من جذب أعداد كبيرة من الشباب إلى صفوفها، ومن ثم تجنيد أعداد كبيرة منهم، فضلاً عن وجود حالة من التعاطف معها، نظراً لما تمثله القضية الفلسطينية من أهمية بالغة عند كل قطاعات المجتمع.
كما أن هناك بعض التنظيمات المتطرفة تتخذ من القضية الفلسطينية وسيلة لتبرير جرائمها وأعمالها الإرهابية، فـأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة السابق، برر هجمات 11 سبتمبر بحجة الدفاع عن فلسطين، حيث صرح عقب الحادث بمقولته الشهيرة، لن تنعم أمريكا بالأمن حتى ينعم به الفلسطينيون، ومن قبلها تذرع بالقضية الفلسطينية من أجل إنشاء الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصلبيين منتصف 1998.
وحتى تنظيم داعش، لم يفوت فرصة استثمار قضية القدس واحتلال فلسطين. فعندما بدأ التنظيم فى التراجع والانحسار مع نهاية عام 2015، أصدر أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم، بياناً فى ديسمبر من العام نفسه، تذكر فيه فجأة فلسطين، قائلاً إنه "لم ينس فلسطين يوما، وقريبا بإذن الله تسمعون دبيب المجاهدين وتحاصركم (اليهود) طلائعهم، في يوم ترونه بعيدا ونراه قريبا"، وأنها "لن تكون داركم وأرضكم، وستكون مقبرتكم، وما جمعكم الله فيها إلا ليقتلكم المسلمون"، مؤكدا أن "دولته المزعومة" ستحرر فلسطين.
بالتالي، نظراً للاستغلال الكبير من قبل التنظيمات المتطرفة للقضية الفلسطينية،  فإن هذا القرار يمكن أن يعزز من تصاعد الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، وأن هذه الخطوة ستكون ذريعة للجماعات المتشددة والتنظيمات المتطرفة في تكريس حالة الغضب والإحباط واليأس التي تشكل بيئة خصبة لنشر أفكارهم.
 
تداعيات محتملة:
يمكن القول إن قرار واشنطن غير المدروس بنقل السفارة الأمريكية للقدس يمكن أن يصنع مناخًا مؤيدًا ومشجعًا للتنظيمات المتطرفة، التي تلعب على عواطف المسلمين، فتتخذ من مثل هذه القرارات وسيلة لتجاوز أزماتها المختلفة، وتعويض انحسارها، ويمكن تحديد أهم التداعيات لذلك القرار على التيارات المتطرفة بشكل عام في الآتي:
(*) العودة إلى الساحة: يمكن القول إن قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سيكون بمنزلة قبلة الحياة بالنسبة لعدد من التيارات المتطرفة التي تعانى التراجع وفقدان الشعبية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، وذلك من خلال استغلال ذلك الحدث في محاولة العودة من جديد إلى الساحة، عبر إعادة طرح الشعارات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، والتي ظلت تستخدمها لسنوات طويلة، مما يمكن أن يوجد حالة من التعاطف معها، ويعيد لها جزءا من وجودها المفقود، وربما هذا ما دفعها إلى إصدار بيان تدعو فيه للوقوف بوجه قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
(*) تصاعد الهجمات الإرهابية: من المحتمل أن يؤدى قرار الاعتراف الأمريكى بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى موجة من العمليات الإرهابية ضد المصالح الأمريكية، لاسيما من قبل تنظيم القاعدة، الذي تمثل له تلك المصالح الهدف المفضل، نظرا لأنه التنظيم الوحيد الذي أسس منظومته الفكرية على العداء المطلق لها، لذا فإن قرار ترامب سيمنح التنظيم الفرصة لتوجيه ضربات ضد الولايات المتحدة، لاسيما وأنه يعلم أنها ستلقى قبولاً لدى قطاعات من المتطرفين، وربما هذا ما دفع حركة الشباب المجاهدين الصومالية، التي تعد ذراع تنظيم القاعدة في شرق إفريقيا الى المسارعة بإصدار بيان تعلن من خلاله أن قرار ترامب هو "اعتداء على الإسلام"، وأنها تحث أتباعها والمجموعات الأخرى التابعة لـ"القاعدة" لاتخاذ مواقف ضد المصالح الأمريكية.
(*) التحريض ضد الأنظمة: من شبه المؤكد أن قرار ترامب سيمنح التنظيمات المتطرفة بشكل عام، فرصة لتشويه الأنظمة السياسية في الدول العربية، فى ظل الصراع القائم بينها، من خلال العمل على خلق حالة من العداء تجاهها من قبل الجماهير، لاسيما أن الظروف والأوضاع الدولية لا تسمح للدول العربية والإسلامية باتخاذ مواقف ترضى تلك الجماهير، التي تبنى رؤيتها على الحماسة المفرطة، نظراً لأنها لا يمكنها قراءة تلك المتغيرات بشكل صحيح، كما أنها تهدف من وراء ذلك إلى تحسين صورتها عند مقارنة خطاباتها بالمواقف الرسمية. 
(*) تحول الخطاب: من الراجح أن العديد من التيارات المتطرفة، سوف تلجا خلال الفترة القادمة إلى التحول من الخطاب التصعيدى العدائي إلى خطاب المظلومية والاستضعاف، عبر العمل على تبنى خطاب يدعو الى الدفاع عن مقدسات الأمة، وهو خطاب له قدر كبير من القبول لدى الجماهير، وذلك من أجل تحسين صورتها، لأن تشوية صورة الأنظمة يعنى غالباً فى المقابل تحسين صوة المتطرفين، لاسيما أن الخطابات العدائية قد خصمت كثيراً من رصيدها، مما أفقدها العديد من المتعاطفين، خاصة بعد  تحول بعضها إلى العنف المباشر. 
أخيرا، وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول إن قرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل سيساعد التنظيمات الإرهابية على ترويج أيديولوجيتها المتطرفة، مما يؤدي لتمكنها من استعادة حيويتها التنظيمية، فضلا عن منح بعض التيارات المتطرفة الفرصة للعودة إلى الساحة مرة أخرى، وذلك من خلال التحريض عبر الشعارات الحماسية التي يمكن أن تدفع الشباب إلى العنف، مما يعني أنه سيكون هناك موجة جديدة منه لا يمكن توقعها، سيما ضد المصالح الغربية، ولاسيما أيضا أن تلك التنظيمات ستنتهز هذه الفرصة لتصوِّر القرار على أنه إعلان حرب على الإسلام والمسلمين.
 
طباعة

تعريف الكاتب

علي بكر

علي بكر

مساعد رئيس تحرير السياسة الدولية و خبير الحركات المتطرفة