مقالات رأى

زيارة فرنسا.. والتكثيف اللغوي في منطوق الرئيس

طباعة
صدق من قال عن الساحة السياسية  إنها "المسرح السياسي"!
فاللاعب على الساحة، سواء أمام الميكروفونات بين الجماهير في اجتماعات الأحزاب، أو في اللقاءات الرسمية مع الزعماء، أقرب إلى الممثل على خشبة المسرح، الذي يعرف جيدًا كيف يوصِّل اقتناعات بالدور الذي يلعبه إلى عقول وأذهان جمهور النظارة؛ لتوصيل أفكاره السياسية التي يريد تطبيقها على حزب، أو جماعة، أو هيئة، بكل الوسائل اللغوية والمنطقية الصحيحة، مدعمة بالحجج والبراهين الدالة على صدق أفكاره . وإذا كان الفنان على المسرح يستخدم لغة الجسد في التعبير عن أبعاد دوره المرسوم، فإن المسئول على "المسرح السياسي" يستخدم كل الإمكانات المتاحة له في التخاطب مع الغير؛ وخير وسيلة له في هذا المقام .. هو حُسن انتقاء ألفاظ اللغة ببلاغتها ودلالاتها العميقة!
والسياسي الحصيف هو الذي يعرف أن السياسة هي لغة الحصول على أقصى المكتسبات بأقل الخسائر، وهي لعبة الحصول الفوري على الممكن والمتاح على مائدة المحادثات، خاصة في القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل العلاقات بين الدول في شتى المجالات.
وها نحن قد شاهدنا وسمعنا هذا السياسي البارع الحصيف في شخص الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال زيارته إلى فرنسا، وطن الثقافة والتنوير، حين استخدم مايسمَّى في عالم المسرح التعبير الصامت -بلا انفعال- بتوظيف عضلات وجهه في أسلوب الرد على سؤال عن حقوق الإنسان في مصر. وكانت تلك التعبيرات التلقائية كافية جدًا لترجمة إحساسه الداخلي، لكنه أجاب بكلماتٍ قصيرة مقتضبة، وعبارات لغوية منتقاة كطلقات الرصاص؛ لتتوافق وتتواكب مع حركة عضلات الوجه .. ليقول: "يجب ألا نقصر حقوق الإنسان في الأمور السياسية فحسب، بل يجب الحديث عن حقوق الإنسان المصري في مجالات التعليم، والصحة، والإسكان أيضًا؛ وأن "مصر" لا تتهرب من الإجابة عن مسألة حقوق الإنسان، ولكن يجب طرح الموضوع في سياقه. -ثم أضاف بالعامية المصرية- : (إنت ليه مابتكلمنيش عن التعليم، والصحة، وحق المواطن المصري في العمل والإسكان، ومصر ليست أوروبا في تقدمها الاقتصادي؟!)". 
وبالتأكيد .. لم تأت تلك الكلمات القاطعة المحددة عفوية أو بمحض المصادفة؛ بل جاءت بوعي تام ومعرفة حقيقية بخلفيات الترجمة الحرفية في اللغة الفرنسية؛ وعدم إمكان تحريفها، أو تزييفها، أو تأويلها كعادة المترجمين في المحافل الدولية. فقد أغلق الباب على أية محاولات للاجتهاد في إعطاء معانٍ مخالفة لما يقصده بالضبط، وهنا تكمُن أعلى درجات الحكمة في اختيار إجاباته وردوده دون إسهاب؛ برغم أنها كلمة مرتجلة فورية بنت اللحظة .. ولكنها تخرج مفعمة بزخم وحنكة السياسي البارع الذي تمرَّس على التمسك بحق وطنه في الريادة والقيادة والتعظيم منذ القدم، وألقي بالكُرة في ملعب من يطرح سؤالاً ظنه إحراجًا للرئيس، لتأتى الألفاظ على لسانه واضحة جليَّة لا لبس فيها ولا اعوجاج . 
وفي هذا الصدد؛ يرى علماء النفس أن "الرئيس السيسي" يمتلك قدرات هائلة من "الثبات الانفعالي" المخضرم؛ وهذا من صميم صفات رجل المخابرات الحربية؛ الضالع في فهم دخائل ألاعيب الساسة ودهاليز السياسة؛ فلغة الجسد و"الماسك فيس" Mask Face يُعد خير معبَّر عن هذا  الثبات النفسي في مواجهة الأسئلة المفاجئة؛ والتي تبدو للوهلة الأولى محرجة لرجل الدولة الواعي بمقدرات وأبعاد المشاكل الساخنة في وطنه؛ ويجد على لسانه، فى التو، مايسعفه من ألفاظ اللغة ودلالاتها؛ وهو ما يحمل عنصر المفاجأة للسائل؛ وهذا بالتأكيد من حُسن البيان، وانعكاسًا لأبعاد الثقافة التي يحملها الرئيس في أعماق ذاته الوطنية وتوجهاته الصادقة؛ بل استطاع بوقع كلماته النافذة أن يقنع الرئيس الفرنسي بإمداد مصر بسرب طائرات "الرافال" المقاتلة؛ لمواجهة عناصر الإرهاب والتطرف، تلك العناصر التي ضربت "باريس" في "عز الضهر الأحمر"! وكأنه أراد أن يقول : فكيف بالله نستطيع النظر في "حقوق إنسان إرهابي" يقصف الأخضر واليابس على أرض أوطاننا المسالمة؛ المتطلعة إلى البنيان والتقدم في ركب الدول العظيمة؛ وإنه ليس بين جدران سجوننا سوي من تمت إدانته، بالأدلة والمستندات، في جرائم ضد الوطن والبشر على أرضه.
لقد شرُفت قاعات "قصر الأليزيه" العتيق؛ باستضافة هذا القائد الوطني العملاق؛ الذي يجيد بتركيبته الوطنية الواعية؛ لعب دور البطولة والفروسية على حلبة "المسرح السياسي الدولي"؛ لينتزع التصفيق والإعجاب ممن كانوا أشد المناوئين لمسيرته الناجحة في إنقاذ البلاد من براثن عملاء الداخل والخارج؛ بل التعهد بالمشاركة في تعضيد نجاحاته على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثفافية .. ولتعرف فرنسا، ويعرف العالم الغربي قدر مصر على خريطة العالم، وليُفتح الستار في المسرح السياسي؛ على فصول جديدة من مسيرة التنمية والعمران والازدهار لمصرنا المحروسة.
 
طباعة

    تعريف الكاتب

    أ.د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

    أ.د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

    أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون