تحليلات - عالم عربى

ليبيا ومقاطعة قطر.. الانقسامات والتداعيات

طباعة
لم تكن ليبيا بعيدة عن تأثيرات أزمة مقاطعة أربع دول عربية، خاصة السعودية، ومصر والإمارات، والبحرين، منذ الخامس من يونيو الماضي، للنظام في الدوحة، لاسيما أنها تشتبك مع قضايا أساسية تستهدف دول المقاطعة تعديل السلوك القطري إزاءها، خاصة مكافحة الإرهاب، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، ومنها ليبيا.
 
 لقد بدت مواقف الأطراف الداخلية الليبية عاكسة للانقسام الحادث في هذا البلد. فبينما ساد عدم الوضوح موقف حكومة الوفاق الليبي، برئاسة فايز السراج، والمدعومة أمميا، أعلنت حكومة شرق ليبيا المؤقتة، التي يدعمها كل من مجلس النواب، والجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، تأييدها لمقاطعة قطر، في مسعى للحد من تمويلها للإرهاب الذي تكافحه في شرق ليبيا. جاء هذا الانقسام ليعمق مأزق اتفاق تسوية الصخيرات المتعثر الذي تم إقراره في ديسمبر 2015، ويثير تساؤلا حول تداعياته على الأزمة الليبية.
 
دوافع الحكومة المؤقتة
 
ثمة مجموعة عوامل تفسر تأييد حكومة شرق ليبيا، التي يترأسها عبد الله الثني، لمقاطعة قطر، وهي تتعلق باتهامات متعددة للدوحة، ومن أبرزها: 
 
1. اتهام الدوحة بمحاولة إسقاط الجيش الليبي منذ الثورة، حيث ترى العديد من الأوساط الليبية أن قطر أسهمت بشكل كبير في المؤامرة التي تم تنفيذها ضد ليبيا، ودورها في إسقاط نظام معمر القذافي في عام 2011، بداية من دعمها للقرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن، والقاضي بالسماح بإنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا، حيث كشف مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، عن أن قطر دفعت 50 مليون دولار لأحد القيادات مقابل سرقة منظومة الجيش الليبي.
 
2. دعم الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية: حيث تتهم حكومة شرق ليبيا قطر بدعم ميليشيات ما يعرف بـ "سرايا الدفاع عن بنغازى" التى هاجمت منطقة الهلال النفطي في مارس الماضي. كما تواجه الدوحة اتهامات أيضا بدعم شخصيات محسوبة على التحالف التركي - القطري في ليبيا، ومنها عبد الحكيم بلحاج، زعيم المجلس العسكري في طرابلس، ومفتي ليبيا المعزول الشيخ الصادق الغرياني، والقيادي الإخواني علي الصلابي، المقيم في الدوحة.
 
 3- مطالبات بتحقيق دولي في تمويل قطر للإرهاب في ليبيا، حيث طالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، والمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بفتح تحقيق دولي حيال التدخل والدعم المالي والعسكري القطري للجماعات والتنظيمات المتطرفة في ليبيا، ومن أبرزها "مجلس شورى مجاهدي درنة"، و"مجلس شورى ثوار بنغازي"، وتنظيم "أنصار الشريعة"، و"سرايا الدفاع عن بنغازي".
 
كانت دول المقاطعة قد أصدرت قائمة الإرهاب المرتبطة بتمويل قطري في يونيو 2017. إذ شملت شخصيات ومؤسسات ليبية، منها الشيخ علي الصلابي، وعبد الحكيم بلحاج، والمهدي الحارتي، قائد لواء الأمة السابق، والعميد السابق لبلدية طرابلس (متهم بنقل إرهابيين من داخل ليبيا إلى سوريا)، وإسماعيل الصلابي ( أحد مؤسسي ميليشيات 17 فبراير)، وراف الله السحاتي في شرق ليبيا، والتي تحارب الجيش الوطني الليبي في بنغازي)، والمفتى المعزول الصادق الغرياني الموالى لقطر.
 
ثم أصدرت دول المقاطعة في يوليو 2017 قائمة أخرى تضمنت ميليشيات، وكيانات، وشخصيات ليبية أخرى ممولة من قطر، وهي: (مجلس شورى ثوار بنغازي، ومركز السرايا للإعلام، ووكالة بشرى للإعلام، وكتيبة راف الله السحاتي، وقناة نبأ الليبية، ومؤسسة التناصح للدعوة والإعلام والثقافة)، فضلا عن شخصيتين ليبيتين، هما (الساعدي عبد الله بوخزيم ، وأحمد عبد الجليل الحسناوي). 
 
موقف حكومة السراج 
 
في المقابل، فإن صمت وعدم وضوح موقف حكومة السراج من أزمة مقاطعة قطر يرجع إلى أن بعض الميليشيات في غرب ليبيا لديها علاقات وثيقة مع الدوحة في السنوات التي تلت سقوط نظام القذافي في عام 2011.
 
إذ دعمت قطر تحالف فجر ليبيا الذي تشكل من ميليشيات إسلامية ومصراتية في عام 2014 في مواجهة عملية الكرامة التي يقودها حفتر لمكافحة الإرهاب في شرقي ليبيا. كما أشار تقرير لجنة الخبراء الخاصة بليبيا في الأمم المتحدة (1 يونيو 2017) إلى تمويل قطر أسلحة قدّرت بأربعين طناً، تم تسليمها في 2011 بمعرفة الجيش التونسي (فقرة 111)، مما شكل انتهاكاً لحظر السلاح المفروض على ليبيا (القراران 2095 و2174).
 
أضف لذلك أشكالا أخرى من المساعدة القطرية غير العسكرية حاسمة، والتي تضمّنت أكثر من 400 مليون دولار من المساعدات المالية، وإمدادات المياه، والغاز للتدفئة، والسلع الأساسية، والمساعدة في بيع النفط الليبي وتسويقه من الموانئ الشرقية الخاضعة إلى سيطرة الجماعات المسلحة، فضلاً عن العديد من اللقاءات الدبلوماسية بين أمير قطر وميليشيات ليبية، وآخرها في شهر أغسطس الجاري، عندما التقى أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني وفدا ليبيا برئاسة بشير القاضي، الآمر العسكري لقوات البنيان المرصوص في غرب ليبيا، وهو ما أدى إلى انتقادات واسعة في شرق ليبيا.
 
تداعيات الانقسام 
تركت الأزمة الخليجية العديد من التداعيات على الوضع الليبي في ظل تعقيدات المشهد السياسي. إذ أدى اتخاذ الموقف المتردد والميل من قبل حكومة الوفاق الوطني في الغرب لقطر، مقابل انحياز حكومة الشرق، والبرلمان، وحفتر للدول الأربع، إلى طريق مسدود في المفاوضات بين الطرفين، في ظل سيطرة كل منها على أجزاء من الأراضي الليبية، مقابل الأخرى، مع استمرار الدعم العسكري.
 
 يأتي ذلك في وقت دخلت فيه أطراف دولية، كفرنسا، في التقريب بين السراج وحفتر، كما الحال في استضافتهما في الشهر الماضي، ثم إيطاليا التي أرسلت سفينتين عسكريتين إلى سواحل ليبيا في مطلع أغسطس الجاري، الأمر الذي يلقي بظلاله على الصراع بين دول المقاطعة وقطر في التأثير فى الشأن الليبي.
 
 في السياق ذاته، حذرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، في يونيو الماضي، السلطات المتمركزة فى شرق البلاد من استغلال الأزمة الدائرة بين عدد من الدول العربية وقطر "كذريعة للقيام بتصدير النفط بشكل غير شرعي". وقد جاء بيان المؤسسة بعد أن هددت الحكومة والبرلمان فى شرق ليبيا بوقف عمليات جلينكور التى ترتبط بعقد مع مؤسسة النفط الليبية لتحميل النفط من ميناء مرسى الحريقة بشرق ليبيا.
 
خلاصة القول: إن الوضع الليبي الداخلي مرتبط بشكل أكبر بالتوازنات الإقليمية والدولية، ومنها أزمة مقاطعة قطر، الأمر الذي يصعّب من فرص التفاوض والوصول لتسوية سياسية، في ضوء عوامل أخرى، منها سيطرة الجيش الليبي على معظم شرق وجنوب ليبيا، والانقسامات داخل غرب ليبيا، والتي لم يمنعها تحرير قوات البنيان المرصوص الموالية للمجلس الرئاسي مدينة سرت من سيطرة "داعش" العام الماضي. ويزداد الموقف تأزما مع مخاوف حكومة السراج من احتمال إقدام الجيش الوطني على اقتحام طرابلس، بما يعني إضعاف الميليشيات الموالية لقطر في غرب ليبيا. 
 
طباعة

تعريف الكاتب

رشا العشري

رشا العشري

باحث في العلوم السياسة