تحليلات - شئون دولية

لماذا تتجه الأرجنتين لتعزيز علاقاتها مع مصر؟

طباعة
تقوم نائبة رئيس الأرجنتين، مارتا جابرييلا ميكيتي، بزيارة رسمية لمصر، هي الأولى من نوعها لمسئول أرجنتيني بهذا المستوى الرفيع، حيث مضى نحو تسع سنوات منذ زيارة رئيسة الجمهورية الأرجنتينية السابقة "كريستينا كيرشنر، لمصر عام 2008. 
 
تأتي أهمية الزيارة في ظل الاهتمام الأرجنتيني المتزايد بتدعيم العلاقات مع الدول العربية، إذ قام الرئيس الأرجنتيني الحالي، ماريسيو ماكري، بزيارة الإمارات في مايو الماضي. كذلك قامت ميكيتي بجولة خليجية نهاية أكتوبر الماضي، زارت خلالها كل من السعودية، والإمارات، وقطر. وتدشن زيارة ميكيتي إلى القاهرة لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، خاصة أنها تأتي بالتزامن مع الاحتفال بمرور سبعين عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1947.
 
وتحظى زيارة ميكيتي التي بدأت في 15 يوليو الماضي، والتقت خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسي، ورئيس الوزراء المهندس، شريف إسماعيل، وكذلك برئيس مجلس النواب الدكتور علي عبدالعال، بأهمية خاصة من الجانبين. فعلى الجانب الأرجنتيني، تمثل الزيارة محاولة من بوينس آيريس لتعزيز العلاقات مع مصر، بحسبانها بوابة للولوج إلى القارة الإفريقية، وذلك من خلال الاستفادة من السوق المصري الذي يضم ما يزيد على 90 مليون مستهلك، وكذلك بحسبان مصر نقطة الانطلاق للأسواق العربية والإفريقية.
 
بالنسبة للجانب المصري، ثمة مساع حثيثة لجذب المزيد من الفرص الاستثمارية في بعض المشروعات القومية العملاقة التي تعكف مصر على تنفيذها خلال المرحلة الحالية. لذا، تأتي أهمية هذه الزيارة، في ضوء ثقل الوزن الاقتصادي للأرجنتين التي تعد ثاني أكبر قوة اقتصادية في أمريكا الجنوبية بعد البرازيل بناتج محلي إجمالي يزيد على 550 مليار دولار بنهاية عام 2016.
 
كذلك تتيح الزيارة فرصة ثمينة لمصر لتعزيز التعاون في بعض المجالات التي تتمتع فيها الأرجنتين بميزة نوعية، خاصة في مجال الزراعة، وكذلك الاستخدامات السلمية للطاقة النووية؛ حيث سبق أن وقع البلدان على اتفاقية تعاون في مجال تبادل الخبرات في المجال النووي عام 1992.
 
دوافع اقتصادية:
 
وغلب الطابع الاقتصادي على زيارة ميكيتي للقاهرة، في ظل تصديق الكونجرس الأرجنتيني، في مايو الماضي، على اتفاقية التجارة الحرة بين الميركوسور ومصر، والتي تم التوقيع عليها في عام 2005. كما سبق أن صدق عليها مجلس الشيوخ البرازيلي في 13 أكتوبر 2015. وتدخل اتفاقية التجارة الحرة حيز التنفيذ بعد الموافقة عليها من قبل برلمانات بقية الدول الأعضاء في الميركوسور، وهي باراجواي، وأوروجواي، وفنزويلا. 
 
ومن شأن دخول الاتفاقية حيز التنفيذ أن تدخل الصادرات المصرية إلى أسواق "الميركوسور"، وهو أكبر تكتل اقتصادي في أمريكا اللاتينية، إذ يبلغ إجمالي حجم الناتج المحلي لأعضائه نحو 3.5 تريليون دولار، وهو ما يعادل نظيره في ألمانيا، التي تعد خامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم. كما أن لديه سوقا استهلاكية ضخمة بإجمالي عدد سكان يبلغ نحو 285 مليون نسمة، وهو الأمر الذي يتيح لمصر فرص كبيرة لتعزيز وجود صادراتها في أمريكا اللاتينية. 
 
وبرزت أهمية البعد الاقتصادي للزيارة، في ضوء ما تمخضت عنه من الاتفاق على إنشاء لجنة تجارية مشتركة بين البلدين تستهدف تعزيز العلاقات التجارية الثنائية، بالإضافة إلى الاتفاق على إنشاء مجلس أعمال مصري - أرجنتيني مشترك لتعزيز التعاون بين القطاع الخاص في مصر ونظيره فى الأرجنتين، كما عقد على هامش الزيارة منتدى الأعمال المصري-الأرجنتيني. 
 
وعلى الرغم من ذلك البعد الاقتصادي للزيارة، ثمة أهمية سياسية لا يمكن إنكارها؛ إذ يسعى البلدان إلى تعزيز الجهود في مجال محاربة الإرهاب، فضلا عن الرغبة في تنسيق المواقف بشأن عدد من القضايا الإقليمية المهمة، وفي مقدمتها الموقف من القضية الفلسطينية، لاسيما أن الأرجنتين كانت من بين دول أمريكا اللاتينية التي قامت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية الموحدة داخل حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية في عام 2010. وتتعزز أهمية هذه الزيارة في ظل حرص الدولة المصرية بعد ثورة 30 يونيو 2013 على الانفتاح والتنوع في شركائها الإقليميين والدوليين، وتعزيز أواصر التعاون والحوار مع القوى الإقليمية المهمة في العالم.
 
وتشكل زيارة نائبة الرئيس الأرجنتيني إلى القاهرة فرصة ثمينة لتوثيق علاقاتها مع الدول العربية، في ظل المخاوف التي سادت بعض الأوساط الرسمية والأكاديمية المصرية والعربية من أن يطرأ تحول جذري في التوجهات الخارجية للأرجنتين نحو الدول العربية، عقب تولي اليميني "ماريسيو ماكري" رئاسة البلاد منذ ديسمبر 2015، خلفا لليسارية "كريستينا كيرشنر"، والتي تبنت مواقف داعمة للدول العربية بصفة خاصة، ودول الجنوب بصفة عامة.
 
هذا بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لمزيد من تنسيق المواقف بين البلدين في إطار رئاسة الأرجنتين الحالية للميركوسور، وكذلك رئاستها المرتقبة لمجموعة العشرين عام 2018، بالإضافة إلى عضوية البلدين المشتركة في عدد من المنظمات والتجمعات الإقليمية والدولية، من بينها مجموعة الخمس عشرة والسبعين، علاوة على مشاركة البلدين في قمة الدول العربية وأمريكا الجنوبية والتي انعقد حتى الآن أربع قمم لها في الأعوام 2005، 2009، 2012، و2015.
 
تحديات مشتركة:
 
وعلى الرغم من أهمية الأرجنتين كشريك مهم لمصر في أمريكا اللاتينية، علاوة على ضخامة الفرص التي يتيحها تعزيز التعاون بين البلدين، فإن العلاقات بينهما لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب، إذ بلغت صادرات الأرجنتين لمصر نحو 1.4 مليار دولار، فيما بلغت وارداتها من مصر نحو 7.7 مليون دولار عام 2016.
 
هذا بالإضافة إلى قلة عدد الزيارات التي يقوم بها كبار المسئولين المصريين إلى بوينس آيريس، كما أن هذه الزيارات لا تتم بصورة منتظمة، بل على فترات متباعدة. في المقابل، توفد الأرجنتين عددا من كبار مسئوليها إلى القاهرة، ومن بينهم رئيس ونائب رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى عدد من الوزراء. 
 
وبناء على ما سبق، يمكن أن تفتح هذه الزيارة آفاقا جديدة لتعزيز التعاون العربي (المصري) اللاتيني، انطلاقا من عمق الروابط التاريخية والبشرية العربية – اللاتينية؛ اذ يبلغ عدد المواطنين في أمريكا اللاتينية من أصول عربية نحو 25 مليون مواطن. ويمكن أن يتحقق ذلك، من خلال وضع آليات مؤسسية دائمة للحوار والتنسيق بين الطرفين، على نحو يسهم في تقوية القدرات التفاوضية للدول العربية واللاتينية على حد سواء، وبما يعود بالنفع على شعوب المنطقتين.
طباعة

    تعريف الكاتب

    د‮. ‬صدفة محمد محمود

    د‮. ‬صدفة محمد محمود

    ‮‬باحثة متخصصة في شئون البرازيل وأمريكا اللاتينية