تحليلات - شئون دولية

مؤشرات تداعي الدولة التركية فى ذكرى الانقلاب الفاشل

طباعة
بدأت تركيا، يوم 13 يوليو 2017، إحياء الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب العسكري الفاشل، وقد أكد رئيسها رجب طيب أردوغان، في كلمته بهذه المناسبة، استعادة الدولة قوتها بعد السيطرة على منفذي الانقلاب الفاشل، وهو ما ينافي الواقع الذي يؤكد تصاعد مؤشرات تداعي الدولة التركية، بعد عام على الانقلاب، لاسيما بعد صدور تقارير تشير إلى تورط أردوغان نفسه في تدبير الانقلاب ليكون ذريعة له لتصفيه معارضيه.
 
دلائل تورط أردوغان:
 
هناك العديد من الأدلة التي تؤكد أن الانقلاب الفاشل الذي تم ليلة 15 يوليو 2016 تم بتحريض من أردوغان، أو بعلمه وبعلم أجهزته المخابراتية، ومنها:
 
(*) نتائج التحقيقات بأحداث الانقلاب: اتفق جميع العسكريين الأتراك المتهمين بتدبير وتنفيذ الانقلاب في التحقيقات التي أجريت معهم على نفي صلتهم بالمفكر الإسلامي التركي فتح الله جولن الذي اتهمه أردوغان بتدبير الانقلاب ويطالب واشنطن بتسليمه منذ عام دون جدوى، وأكدوا أن ما تم كان تنفيذًا لتعليمات صدرت لهم من رئاسة الأركان التركية، التي أبلغتهم بدورها بالبدء في تنفيذ مناورة عسكرية، وأصدرت إليهم أوامر بالانتشار أمام عدة مؤسسات بالدولة.
 
(*) تقارير مخابراتية أوروبية: أصدر مركزمخابرات الاتحاد الأوروبي في نهاية فبراير 2017 تقريرا يشير إلى أن أردوغان كان ينوي القيام بعملية "تطهير"  شاملة لقوى معارضة داخل جيش بلاده قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، ورجح التقرير أن الانقلاب دبره عسكريون علمانيون معارضون لأردوغان، واستبعد تورط جولن فيه. كما نشرت المخابرات البريطانية في ديسمبر 2016 تقريرا بمضمون المكالمات الهاتفية والبريدية المشفرة لكبارمسئولى  الحكومة التركية، منذ اللحظة الأولى من بدء أحداث محاولة الانقلاب، وأظهرت أنهم اتفقوا على اتهام جولن كمدبر ومحرض على الانقلاب لاتخاذ ذلك ذريعة لتصفية مؤسسات حركته المدنية "الخدمة" في تركيا بشكل شامل.
 
تداعي النظام التركي
 
(*) تصاعد الانتقادات للتعديلات الدستورية: يمر النظام السياسي التركي الآن بمرحلة انتقالية حتى يتم تعديل النظام من البرلماني للرئاسي، وذلك وفقا لنتائج الاستفتاء على تعديل 14 بندًا للدستور التركي الذي أجرته أنقرة في 16 أبريل 2017، وتم تأييده بنسبة (51.5%)، الأمر الذي سيمنح رئيس البلاد صلاحيات مطلقة. وسيتم الإقرار النهائي للنظام الرئاسي بعد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة فى 3 نوفمبر عام 2019. وحتى ذلك التاريخ، هناك العديد من التعديلات ستتم على الدستور والقوانين بالبلاد من شأنها تقليص صلاحيات السلطتين القضائية والتشريعية لمصلحة التنفيذية. وقد أعلن أردوغان عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2019، ليكون حال فوزه أول رئيس لتركيا يتمتع بصلاحيات شبه مطلقة، وهو الأمر الذي انتقدته المعارضة التركية وبعض الدول الأوروبية، لأنه يطبق نظام حكم الحزب الواحد والحكم الشمولي بتركيا.  
 
(*) تآكل شرعية الحزب الحاكم: كانت نسبة الموافقة على التعديلات الدستورية (51.5%)، وهي أقل نسبة فوز يحصل عليها حزب "العدالة والتنمية" في أى انتخابات أو استفتاءات منذ عام 2002، مما يؤكد أنه خسر شرعيته التي أصبحت تتآكل، لأن كتلته الانتخابية حصلت على (30%)فقط من نسبة (51.5)%، والنسبة الباقية حصل عليها نتيجة تحالفه مع أحزاب "الحركة القومية، الاتحاد الكبير" التي دعمت التعديلات الدستورية.
 
كما أن نجاح رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار أوغلو في إنهاء مسيرته المعارضة التي أستمرت 25 يومًا سيرًا على الأقدام من مدينة أنقرة لأسطنبول، للمطالبة بتحقيق حكم ديمقراطي وعادل بتركيا، وتنظيم تظاهرة مليونية معارضة لأردوغان للمرة الأولى منذ بدء حكمه عام 2002، يؤكد تصاعد المعارضة ضد حكمه. 
 
(*) استمرار الصدام المسلح مع حزب العمال الكردستاني: تفاقمت في العام الماضي المواجهات المسلحة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني الذي يطالب بالانفصال وتكوين دولة كردية. بيد أن صمود الحزب في مواجهة الحكومة كان له العديد من التداعيات السلبية ومنها، تزايد معدلات الانتحار داخل الجيش التركي، وارتفاع حصيلة القتلي بين صفوفه، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن محاصرة مدن جنوب تركيا التي تعد معقلاً للأكراد وهي (ديار بكر، وماردين، وغازي عنتاب).
 
(*) تصاعد الأزمة الإقتصادية: يعاني الاقتصاد التركي أزمة متفاقمة، حيث ارتفعت معدلات البطالة لتصل إلى (10.7%)، وخسرت الليرة التركية نحو 50 % من قيمتها، وتراجع الدخل السياحي بنحو 30 %، وانخفض معدل النمو من 7 % لـ(2.9%)، وانخفضت الاستثمارات الخارجية للنصف. وقد كان دائما التقدم الاقتصادي الذي نجح أردوغان في تحقيقه بتركيا، التي قاربت على الإفلاس قبل توليه الحكم في 2002، هو الورقة الرابحة التي يستقطب بها الناخبين والمواطنيين. وحال استمرار الأزمة الاقتصادية بالبلاد، سيكون حكمه مهددا بثورة شعبية من ناخبيه.
 
(*) اتساع حدة الانقسام المجتمعي: تبنى حزب "العدالة والتنمية"، منذ وصوله للحكم عام 2002 ولمدة عقد كامل، خطابًا مجتمعيًا تصالحيًا مع جميع طوائف وفئات المجتمع. بيد أن ذلك قد تراجع بفعل الخطاب السياسي الصدامي لأردوغان ضد مختلف فئات المجتمع، وحملة الاعتقالات الواسعة التي شنها خلال العام الماضي، وأسفرت عن أعتقال أكثر من 50 ألف موظف من مختلف قطاعات الدولة، وطرد الآلآف منهم بذريعة ارتباطهم بمحاولة الانقلاب. 
 
وقد تزامن مع ذلك انتشار الجماعات الدينية المتشددة والسلفية في المجتمع التركي القادمة من سوريا والتي بدأت في نشر أفكارها داخل المدن التركية التي تؤمن بالفكر العلماني، مما أدى لوجود حالة من الاحتقان بين جميع فئات المجتمع أثرت سلبًا فى حالة السلام المجتمعي بتركيا، وسيكون لها العديد من التداعيات الاجتماعية والسياسية السلبية على المجتمع التركي، الذي سيشهد العديد من الظواهر الاجتماعية الجديدة عليه، بالإضافة لتصاعد ظاهرة الإرهاب. 
 
وختامًا، نجد أن الدولة التركية الآن في لحظة فارقة في تاريخها، وأصبحت دولة هشة تتداعى فيها جميع الإنجازات التي حققتها خلال العقد الماضي. وأمام رئيسها خياران، الأول هو تعديل مسار سياساته الداخلية، والعودة للنهج الديمقراطي الذي وعد الشعب به، وهو خيار تنفيذه مستبعد بعد إجراء التعديلات الدستورية، والخيار الآخر هو الاستمرار في سياساته الحالية، وهو ما سيعرض البلاد لأزمات متتالية في الداخل والخارج.
طباعة

    تعريف الكاتب

    د. منى سليمان

    د. منى سليمان

    باحثة في العلوم السياسية.