الرئيسية . من نحن . الاشتراكات . مواقع مختارة . اتصل بنـــــــا  
دور إفريقيا في صعود الصين
د. السيد أمين شلبي *
.....

اضغط على الخريطة للتكبير

مع صعود الصين غير المسبوق عبر الأعوام الثلاثين الماضية، والذي جعل منها القوة الاقتصادية الثالثة في العالم - كما تتنبأ المؤسسات الاقتصادية العالمية بأن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة اقتصادية بحلول عام 2027 - كان من الطبيعي أن ينشغل الباحثون والخبراء بالبحث عن العوامل التي أسهمت فيه. يشير الباحثون في هذا الصدد إلي الإصلاحات الاقتصادية والأيديولوجية التي أدخلها الزعيم الصيني التاريخي، 'دينج تشاوبنج'، والتي حرر بها الطاقات الصينية وجعلها قبلة الاستثمارات العالمية، مما رفع 200 مليون صيني من مستوي الفقر، وإلي القوة البشرية الصينية والسياسة الحكيمة التي اتبعها الحزب الشيوعي الصيني في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، بشكل ساهم في تفادي أخطاء تجربة الإصلاح التي قادها جورباتشوف في الاتحاد السوفيتي، والتي أدت إلي انهياره. كما كان لأسلوب إدارة السياسة الخارجية الصينية، وتأكيد الطابع السلمي لصعود الصين والابتعاد عن المواجهات الإقليمية والدولية، دور أيضا في تدعيم هذا الصعود.

بالإضافة إلي هذه العوامل، يشير الخبير الصيني Zhao JinFu إلي دور القارة الإفريقية وإسهاماتها في هذا الصعود، وذلك في الدراسة المطولة التي نشرتها دورية 'Contemporary International Relations' الصينية في عددها التاسع عشر، يوليو/أغسطس 2009.

في هذه الدراسة، يستعرض الباحث الأوجه التي ساهمت بها إفريقيا في رفع مكانة الصين الدولية، وحماس الإفريقيين للاستفادة من الخبرة الصينية، ودفاعهم عنها ضد الانتقادات الغربية، حيث تنظر إفريقيا إلي الصين بوصفها القوة المحركة للتنمية المستدامة.

ترصد الدراسة صمود علاقة الصداقة بين الصين وإفريقيا لاختبار الزمن والتغيرات في الوضع الدولي لمدة أكثر من نصف قرن، وذلك منذ أن أنشأت أول علاقات دبلوماسية لها في إفريقيا مع مصر عام 1956 .

وبنظرة سريعة إلي سنوات الحرب الباردة، نجد أن الدول الغربية كانت تميل إلي تقليل وجودها في إفريقيا، وكانت القارة مهمشة بشدة في التحول السريع في عملية العولمة. أما الآن، فإن إفريقيا تختبر فترة نهضة طويلة، كما أنها أصبحت مستعدة لشغل مكان بارز علي الساحة السياسية العالمية، وهو ما يشرح لماذا تسعي الولايات المتحدة وأوروبا للتعاون مع الصين في إفريقيا من خلال مبادراتهما. بل إن الاتحاد الأوروبي أطلق في أكتوبر 2008 وثيقة سياسية تحت عنوان 'الاتحاد والصين وإفريقيا، نمضي قدما نحو الحوار الثلاثي والتعاون'. كما عبرت الولايات المتحدة أيضا عن أملها في التعاون مع الصين لمساعدة إفريقيا في المجالات المتعلقة بالبنية التحتية (الطرق، السكك الحديدية، الكباري، محطات توليد الطاقة ... إلخ) والزراعة والرعاية الطبية.

وقد انبهرت الشعوب الإفريقية بنجاح الصين في رفع أكثر من 200 مليون شخص خارج نطاق الفقر في العقود الثلاثة الأخيرة، ولذلك بدأت الجامعات الإفريقية في فتح برنامج للدراسات الصينية في محاولة للاقتراب من التجربة الصينية.

وقد صرح رئيس البنك الدولي 'Pual Wolfowitz' - في مقابله له بمناسبة قمة بكين لمنتدي التعاون الصيني الإفريقي في نوفمبر 2006 - بأن 'الصينيين قد اتبعوا مسارا من شأنه أن يقدم دروسا قيمة لشعب جنوب الصحراء الكبري الذي يبلغ 600 مليون نسمة ولا يزال يناضل لإيجاد طريق للخروج من نطاق الفقر. وأشار إلي الآراء التي طرحها

'Joshua Cooper Ramo' رئيس التحرير السابق لمجلة تايم، والذي أكد أن نجاح نموذج التنمية الصيني قدم للشعوب الإفريقية الطريق البديل لتقليل الفقر في فترة قصيرة، بدلا من الليبرالية الجديدة، ووصفات صندوق النقد والبنك الدوليين التي وضعتهم في دائرة القروض.

ولا توافق الدول الإفريقية علي الرؤية الغربية التي تنظر إلي ممارسات الصين بوصفها الاستعمار الجديد في القارة الإفريقية، بل تنظر إليها كشريك. وفي المقابل، قامت الصين بتقديم العديد من المساعدات إلي القارة الإفريقية، حيث قامت بإلغاء 10 مليارات دولار أمريكي من ديون القارة الإفريقية للصين في عام 2000، كما قامت بإلغاء الجمارك علي 193 بندا من المواد المصدرة إلي الصين من الدول غير المتقدمة في عام 3002. وعلي النقيض، فإن أوروبا غالبا ما تؤكد التزاماتها تجاه إفريقيا عن طريق الانغماس في وعود فارغة.

كما طمأن رئيس الوزراء الصيني الرئيس الأنجولي 'جوسي ادوارد' إلي أن الأزمة المالية العالمية لن تعوق الصين عن تقديم المساعدات للقارة الإفريقية في تلك الفترة الحرجة. وقام وزير الخارجية الصيني 'يانج جيهي' ووزير التجارة 'شين ديمن' بزيارة إفريقيا بطريقة منفصلة لتنفيذ التعهدات السابقة وعرض مساعدات جديدة.

كذلك، قام الرئيس الصيني بزيارته السادسة لإفريقيا في فبراير 2009، وقد صرح خلال هذه الزيارة ب- 'نحن ننظر للأفارقة كأصدقاء طوال الوقت، وسوف نبقي إخوة طوال الأمد وشركاء طيبين للشعب الإفريقي. والآن في القرن الجديد، نحن نعمل معا لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية ومواكبة التنمية والتطوير والتجديد'.

وقد لعبت الصين دورا مهما في عملية حفظ السلام في القارة الإفريقية، خاصة ضمن إطار الأمم المتحدة، حيث كانت جزءا من 12 عملية لقوات حفظ السلام في إفريقيا، وهو أكبر عدد بين الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن. بالإضافة لذلك، تقوم الصين بدعم مشاركة الاتحاد الإفريقي في قمة مجموعة العشرين المالية.

العوائد الاقتصادية لتعاون الصين مع إفريقيا:

تقدم القارة الإفريقية للصين المواد الخام والأسواق، وفرص الاستثمار لتبادل رأس المال والخبرة والتكنولوجيا، مما يتيح لإفريقيا الفرصة لكي تنوع توجيه موادها الخام، والحصول علي أكبر استغلال لمصادرها الطبيعية. تستورد الصين البترول بطريقة أساسية - فأكثر من ثلث إمدادات البترول للصين تأتي من إفريقيا - كما تستورد المعادن، والأخشاب، وتصدر الصين إلي إفريقيا المصنوعات، التي يكون نصفها تقريبا من الآلات الكهربائية.

وقد وفرت إفريقيا الفرصة للشركات الصينية لتكتسب الخبرة عن طريق الانفتاح العالمي، كما قامت بالدعوة لعمل المشاريع وتشغيل العمالة، والتعاون الإداري في إفريقيا.

وحقيقة الأمر أن عددا كبيرا من الشركات الصينية قد ضربت بجذورها في إفريقيا. وأشار تقرير البنك الدولي الخاص بالاستثمار في الصين في يوليو 2008 إلي الأهمية الكبيرة لذلك، وهو ما حقق تحسين البنية التحتية المحلية وسبل العيش. وفي نهاية العام، اجتاز الاستثمار الصيني المباشر في إفريقيا 5 مليارات دولار أمريكي، يتضمن نحو 1000 شركة بأعمالها من تجارة الأجهزة المنزلية، والصناعات الصغيرة، والمنسوجات، والزراعة، وتجهيز المنتجات الزراعية، والاتصالات، والخدمات الهندسية، وتلك العلاقات الاقتصادية قد ضخت الحيوية في الاقتصاد الصيني.

مساندة إفريقيا للوحدة الوطنية الصينية :

في بداية عام 1971، ساعدت إفريقيا الصين بشكل كبير في استعادة وضع الصين الشرعي في الأمم المتحدة، فقد شكلت الدول الإفريقية (26 دولة من أصل 76) ثلث حجم الدول الداعمة للصين. ومنذ ذلك الحين، فإن الأغلبية الساحقة من الشعوب الإفريقية دعمت موقف الصين من قضية إعادة التوحيد الوطني، ولم تقم علاقات رسمية مع السلطات التايوانية، ويوجد الآن 49 دولة إفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين.

أمدت الدول الإفريقية الصين بدعم قوي في بعض القضايا مثل: عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية، ومحاولاتها لاستضافة دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية لعام 2008، والمعرض العالمي لعام 2010، كما أيدت وجهات نظر الصين بشأن إصلاح الأمم المتحدة. وعند اندلاع الفوضي السياسية في الصين في يوليو 1989، حين فرضت الدول الغربية عقوبات عليها لبعض الوقت، ساعد الأصدقاء الأفارقة الصين علي كسر الحصار الغربي، كما كان أول رؤساء دول وقادة ووزراء خارجية يقومون بزيارة رسمية للصين بعد يونيو 1989 من القارة الإفريقية.

من الصعود الصيني إلي الصعود الإفريقي :

مثلما يحتاج الصعود الصيني إلي الدعم الإفريقي، فإن الصعود الإفريقي يحتاج وينتظر الدعم من القوي الناشئة بما فيها الصين، والبرازيل، والهند. فمنذ ثلاثين عاما، وجدت الصين فرصة استراتيجية لكي تتقدم بإصلاحها وبرنامجها الانفتاحي، والآن الفرصة نفسها تنتظر إفريقيا.

ويمثل منتدي التعاون الصيني - الإفريقي - الذي بدأ في بكين عام 2000 وواصل دوراته حتي عام 2009 - علامة فارقة ترمز إلي نضج العلاقات الثنائية بين إفريقيا والصين، وهو ما ظهر بشكل كاف في قمة بكين 2006، التي شكلت نطاقا أكبر ومستوي أعلي في العلاقات الإفريقية - الصينية، حيث حضر هذه القمة كبار قادة 48 دولة إفريقية وممثلوهم، أي نحو أكثر من 1700 شخص. كما حضر ممثلو أكثر من 20 منظمة إقليمية ذات صلة بمؤسسات الأمم المتحدة التي حضرت كمراقب للقمة. وقد حاكت القمة سلسلة من المبادرات السياسية الكبري من جانب القوي العظمي، وهذا يشمل الجلسة الثانية من القمة الأوروبية - الإفريقية في ديسمبر 2007 من أجل شراكة متساوية، وقمة نيودلهي في المنتدي الإفريقي - الهندي في أبريل 2008، والتي كانت أول قمة تعقد من أجل التخطيط للعلاقات الثنائية في القرن الحادي والعشرين، والجلسة الرابعة في المؤتمر الدولي في طوكيو لتنمية إفريقيا في مايو 2008، وأول قمة إفريقية - تركية في أغسطس 2008.

------------------
* المدير التنفيذي للمجلس المصري للشئون الخارجية.

 
طباعة المقالــة إرسال لصديق