الرئيسية . من نحن . الاشتراكات . مواقع مختارة . اتصل بنـــــــا  
التوابع الأوروبية للأزمة اليونانية
نزيرة الأفندي *
مقالات .....

اضغط على الخريطة للتكبير

كانت بداية الأزمة 'شرارة مالية' انطلقت من العاصمة الإغريقية 'أثينا'، تشير إلي تراكم مديونيتها العامة وعدم قدرتها علي الوفاء بالمستحقات التي يطلبها مستحقوها علي عجل. وكان يمكن أن تقف الأمور عند هذا الحد، وأن تصاغ الأوضاع في عبارة عجز الحكومة اليونانية عن سداد ديونها العامة المستحقة للخارج، ومن ثم تطلب المدد والعون الخارجي، شأنها شأن العديد من الدول الأخري التي أصابتها الأزمة المالية 'بالصدمة'، ومن ثم طلب العون الخارجي.

إلا أن وضع 'اليونان' كان متفردا بالنسبة للأزمة المالية وتوابعها، وذلك لعدة اعتبارات.

أولها: إن 'اليونان' عضو في الاتحاد الأوروبي ومنطقة 'اليورو'، وبالتالي فإن الهزة المالية التي تقع في 'أثينا' ستؤدي بالضرورة إلي توابع وهزات قوية في كل من الاتحاد ومنطقة الوحدة النقدية الأوروبية.

ثانيا: الأزمة اليونانية كانت تتصدر القائمة الأوروبية، ولكن كان يقف وراءها، وفي ذات الوضع المالي المهتز الذي يوشك علي الانهيار، طابور من الدول الأعضاء في الاتحاد واليورو، وتحديدا إسبانيا والبرتغال، وتليهما أيرلندا. وجاءت إيطاليا أخيرا لتعترف بحساسية أوضاعها المالية بعد طول مكابرة وإنكار، ولم تنظم اتفاقية الوحدة النقدية إمكانية لجوء هذه الدول إلي صندوق النقد الدولي.

ثالثا: ركزت طبيعة التقلبات السياسية، وحملة الاتهامات الحزبية علي صعيد اليونان، فيما يتعلق بتزييف الأرقام والتلاعب بالحقائق الاقتصادية، علي الطابع 'الإغريقي' للأزمة. ولكن الأزمة انطلقت لأوروبا للتشكيك في العديد من مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، وحتي في بعض الاتفاقيات والمعاهدات، مثل معاهدة الاستقرار والنمو، المحددة للسقف الأعلي للعجز المالي، بالمقارنة بإجمالي الناتج المحلي، حيث قدر إجمالي الديون المستحقة علي دول المنطقة بأكثر من ألف مليار يورو للعام الحالي.

رابعا: أدي اهتزاز الثقة المالية في اليونان إلي ارتفاع أسعار الفائدة الخاصة بالسندات الحكومية الأوروبية المصدرة باليورو، مع تصاعد حدة المضاربة علي 'العملة الموحدة'. وكان لذلك آثار سلبية علي المضمون السياسي 'لليورو'، خاصة مع ازدياد الجدل الألماني الأوروبي حول ترتيب أولويات سياسات التقشف علي صعيد اليونان وحصولها علي الدعم الأوروبي من منطقة اليورو.

الأزمة .. مصادرها وتراكماتها :

اتفقت وسائل الإعلام المختلفة في تناولها للأزمة المالية الأوروبية علي تسميتها 'بالأزمة اليونانية'، وإذا كان هذا الاتفاق يمثل جزءا من الحقيقة، فإنه لا يمثلها كلها. والدليل علي ذلك الأرقام والنسب المئوية للعجز في الميزانيات الخاصة بالدول الأعضاء في منطقة 'اليورو'، وكذلك بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي ال- 27، بالإضافة إلي إجمالي الدين المجمع سنويا إلي إجمالي الناتج المحلي لكل دولة علي حدة.

1- بالنسبة للشق الأول الخاص بالحقيقة اليونانية، فقد أظهرته الأرقام الخاصة بالعجز المالي مقارنة بإجمالي الناتج المحلي، والذي بلغ 13.6% لعام 9002، مع توقع أن ينخفض إلي 8.6%، و 6.9% لعامي 2010 و 2011 علي التوالي، في حالة إقرار برنامج التقشف اليوناني، والتدفقات المالية الأوروبية وتلك الخاصة بصندوق النقد الدولي، وبلغ إجمالي الدين المجمع 15.1% من هذا الناتج المحلي. إلا أن هذا الوضع في حد ذاته لا يعد وضعا استثنائيا أو مخالفا للاتجاه العام في دول الاتحاد ومنطقة اليورو، حيث إن العجز الميزانية في بريطانيا بلغ 12.2% من إجمالي الناتج المحلي، كما قفزت النسبة إلي 14.3% في أيرلندا، و11.2% لإسبانيا، و 9.4% للبرتغال، و 7.5% لفرنسا. ولا يبدو الحديث عن ارتفاع نسبة مجموع الدين العام اليوناني إلي إجمالي الناتج المحلي، مسجلا 113.4% (وفي بعض التقديرات الأخري 115.1%) مبررا للصدمة، إذا تمت مقارنة هذه النسبة بتلك الخاصة بإيطاليا (115.8%)، وكذلك بلجيكا (96.7%). وقد تجاوزت في كل من ألمانيا، أقوي اقتصاد أوروبي، وفرنسا، نسبة الدين العام إلي إجمالي الناتج المحلي، أكثر من 70%. ولكن القضية التي فرضت 'الأزمة اليونانية' كانت بدايتها متمثلة في اقتراب موعد سداد 9 مليارات يورو مستحقة علي الحكومة اليونانية، بالإضافة إلي تزايد حجم الكرة الثلجية الناجمة عن تضخم الدين العام للحكومة اليونانية، نتيجة تصاعد أعباء الفوائد الخاصة به، ومن ثم تزايد نسبة هذا الدين إلي إجمالي الناتج المحلي، حيث تشير بعض التوقعات إلي ارتفاع نسبة الدين وفوائده إلي ما يقرب من 15% علي مدي العامين القادمين. وبذلك، يرتفع الرقم الإجمالي من 269 مليار يورو إلي 336.7 مليار يورو بين عامي 2009 و 4102.

وقد جاء التصنيف الائتماني من جانب مؤسسة ستاندرد آند بوور للسندات الحكومية اليونانية بأنها عالية المخاطر، وتواجه عدم السداد، ليكون بمثابة انطلاقة شرارة الأزمة من موطنها في 'أثينا' إلي باقي دول منطقة اليورو، وذلك لعدة أسباب، تمثل الشق الثاني في وصف الأزمة المالية الأوروبية.

2- وقد تمثلت هذه الأسباب في ضخامة حجم المديونية اليونانية للبنوك الأوروبية. فإذا كانت تقديرات حجم الدين الحكومي اليوناني تبلغ 269 مليار يورو تقريبا، فإن حيازة البنوك الأوروبية داخل منطقة اليورو تقترب من نسبة (60% أو 58% تحديدا) من إجمالي قيمة السندات الحكومية اليونانية. وبالتالي، فإن تعثر السداد من جانب حكومة 'أثينا'، وتوافقها مع أزمة السيولة في النظام المصرفي الأوروبي والعالمي، يعني الكثير. بل إن نسبة حيازة البنوك اليونانية منها إلي إجمالي أصولها يبلغ نسبة 8%. ومن ثم، إذا تعثر السداد، فإن الأوضاع المالية الأوروبية طبقا 'لنظرية الدومينو' تتداعي، وفي مقدمتها النظام المصرفي اليوناني. وقد دعمت هذه المخاوف والتوقعات تخفيض الجدارة الائتمانية للسندات الحكومية اليونانية، من جانب مؤسسة فيتش، إلي جانب استاندرد آند بوور، فارتفعت أسعار الفائدة علي السندات اليونانية، ومن ثم عبء خدمة الدين المجمع.

يضاف إلي ما سبق اهتزاز الأوضاع المالية في كل من إسبانيا والبرتغال، وكلتاهما عضو في منطقة اليورو، وانعكاس ذلك علي قيمة العملة الموحدة، التي تعرضت لموجة من المضاربات في الأسواق الدولية للعملات. لأن هذه الدول الثلاث لا تملك 'عملة وطنية' يمكنها تخفيض قيمتها، كما أن إفلاسها لا يفرض انسحابها من 'الوحدة النقدية' بينما إجمالي المديونية لدول المنطقة يتجاوز خلال العام الحالي رقم الألف مليار يورو.

ومع تصاعد التطورات وازدياد سخونة الأحداث، قام الزعماء في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلي المسئولين في صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي الموحد، بالإعلان عن خطة اتفاق تضمن تقديم 440 مليار يورو من جانب دول مجموعة 'اليورو'، و60 مليارا من الاتحاد الأوروبي، ثم 250 مليار يورو من صندوق النقد الدولي، في صورة ضمانات للقروض وتسهيلات مالية، مع اضطلاع البنك المركزي الأوروبي بدور المقرض للبنوك في منطقة اليورو، وشراء السندات الحكومية لتوفير المزيد من السيولة. ومع الإعلان عن خطة الإنقاذ الأوروبي الدولية، توالت خطط التقشف الاقتصادي والمالي من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عامة ومنطقة اليورو خاصة.

ظاهرة 'المد والجزر' المالي :

من أبرز النتائج والتوابع الأوروبية المترتبة علي 'الأزمة اليونانية'، تأتي البرامج التقشفية والخطط الرامية إلي خفض الإنفاق العام بهدف تقليل نسبة العجز المالي للناتج المحلي الإجمالي، وعلي النقيض من برامج الإنعاش الاقتصادي والمالي التي صاحبت الأزمة المتفجرة عام 2008 وامتدت لعام 9002.

وهذا يعني أن دول الاتحاد الأوروبي عامة، والدول الأعضاء في منطقة 'اليورو' خاصة، انتقلت من مرحلة أو حالة 'المد المالي' في العامين الماضيين، إلي حالة 'الجزر المالي' خلال العام الحالي 2010 وإلي أعوام قادمة.

وقد كانت ألمانيا صاحبة الريادة في إعلان برنامج التقشف المالي، علي الرغم من قوة اقتصادها وقيادتها للمجموعة الأوروبية. وكان الهدف من ذلك إعطاء المثل والقدوة من ناحية، وتأكيد أن مطالبتها 'اليونان' بضرورة انتهاج سياسة تقشفية لم تكن ضربا من المغالاة أو التشدد في مواجهة 'أثينا'، أو استجابة لضغوط سياسية داخلية، من ناحية أخري. وقد تضمن البرنامج توفير ثمانين مليار 'يورو' علي مدي أربعة أعوام حتي 4102.

إلا أن اتخاذ هذه الخطوة الألمانية لم يخفف من حدة معاناة الدول الأضعف في منطقة 'اليورو'، ألا وهي اليونان وإسبانيا والبرتغال، نظرا لتباين نسبة الخفض المخطط في العجز المالي، منسوبا إلي إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول. فبينما لن تتجاوز هذه النسبة 1.5% للعام الحالي بالنسبة لألمانيا، نجد أن النسبة تصل إلي 7% بالنسبة لليونان، وزادت المعدلات بالنسبة لكل من إسبانيا والبرتغال. كما أن أعباء التقشف الألماني ستكون ملقاة بصفة أساسية علي عاتق الأعوام القادمة وتحديدا 2012، 3102 . بل تشير التوقعات إلي أن خطة التقشف الألمانية ستؤدي إلي مردود عكسي علي صعيد الاتحاد الأوروبي ودول منطقة اليورو ال- 16، وفي مقدمتها اليونان وإسبانيا والبرتغال. ويستند الدافع إلي هذا التوقع إلي أن خطة التقشف الألماني ستعني انكماش الإنفاق من جانب 'برلين'، التي تمثل قاطرة الاقتصاد الأوروبي ومنطقة اليورو، حيث يشكل الاقتصادي الألماني 27% تقريبا من إجمالي منطقة اليورو، يليه الفرنسي بنسبة 2.14%. كما أنها تمر بالفعل بفترة انكماش في الإنفاق، وبدون أي ارتباط بالأزمة المالية، ولكن كاتجاه عام يأخذ في اعتباره الاستعداد للأزمة القادمة. ولا شك في أن هذا نتيجة لتجارب سياسية واقتصادية علي مدي التاريخ، وتحديدا فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. ومن هنا، انهالت المطالب الأوروبية والأمريكية بضرورة زيادة الإنفاق الألماني علي الاستيراد والاستهلاك عامة، بدلا من الإمعان في الانخفاض، الذي بلغ 3.1 في أبريل 2010، مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي. وإن كانت الحجة الألمانية تنصرف إلي أن هذا الاتجاه قائم منذ عام 2006، وأن الفائض في الميزان التجاري، الذي بلغ 207 مليارات دولار في السنة المنتهية في مارس 2010، وكذلك فائض ميزان المعاملات الجارية (182.5 مليار دولار) هما من السمات الأساسية لأداء الاقتصاد الألماني المنافس للاقتصاد الصيني في مجال التجارة الخارجية، وفائض الصادرات عن الواردات.

وتذهب التوقعات إلي أبعد من ذلك، متجاوزة الحدود الألمانية إلي فرنسا، التي تشكل مع ألمانيا ما يقرب من نسبة 50% من إجمالي الناتج المحلي لمجموعة اليورو 'ال- 16 دولة'. فمع خطوة الريادة الألمانية في مجال التقشف، وخطط الإذعان والإجبار من جانب الدول الأضعف 'اليونان، إسبانيا، البرتغال' ثم أيرلندا، اضطرت فرنسا إلي اتخاذ القرار 'المؤجل' منذ فترة، بالإعلان عن خطة تقشفية تبلغ قيمتها 45 مليار يورو، علي أن تتبعها خطة أخري تتعلق بسن الإحالة إلي المعاش، وكذلك السنوات التي تستحق عنها تأمينات في هذا المجال. ومن هنا، تنصرف التوقعات والتحليلات إلي التشاؤم من الآثار الانكماشية لخطط التقشف في مجال منطقة اليورو، التي تبلغ نسبة العجز المالي فيها مقارنة بإجمالي الناتج المحلي 7%، وإن كانت تقفز إلي 8.4% بالنسبة لفرنسا، مقتربة بذلك من اليونان (10.2%)، بينما لا تتجاوز النسبة 5.6 لألمانيا. وتزداد درجة التشاؤم من هذه الخطط بالنظر إلي سلسلة التقييمات الائتمانية الخاصة بجدارة السندات اليونانية التي صدرت أخيرا، بالإضافة إلي تلك التي صدرت في شهر أبريل، من جانب ستاندرد آند بورو ثم موودي، وكلها تصب في دائرة ارتفاع المخاطرة وتدهور التقييم. والاتجاه ذاته تتخذه المؤشرات بصورة نسبية إزاء إسبانيا والبرتغال، حيث أدت الخطط التقشفية إلي سياسة تجفيف المنابع بالنسبة للتدفقات النقدية في الجهاز المصرفي لكل منهما، بكل ما يعنيه ذلك من آثار سلبية تراكمية علي الاقتصاد المحلي ككل.

'اليورو' بين القوة والضعف :

من المتفق عليه أن كافة الإجراءات والتحركات التي اتخذتها المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي، علي صعيد دعم اليونان باعتبارها دولة عضوا في 'منقطة اليورو'، كانت تصب بالدرجة الأولي في 'الدفاع عن اليورو'، الذي وصف بأنه التطبيق العملي والاقتصادي 'للسلام السياسي' في أنحاء القارة الأوروبية في فترة ما بعد انهيار 'حائط برلين'. وعلي حد تعبير كل من المستشار الألماني الأسبق، 'هلموت كول'، والمستشارة الحالية، أنجيلا ميركل، فإن الدفاع عنه لا يحتمل أي تهاون. وهذا هو السبب في تحول الموقف الألماني من التردد في دعم اليونان إلي الموافقة علي خطة الإنقاذ والدعم المالي.

ومن المفارقات في هذا الصدد التصريحات التي أدلي بها رئيس الاتحاد الأوروبي، هيرمان فان رومبوي، والتي أشار فيها إلي أن 'قوة اليورو' في السنوات الأخيرة وتعاظمه في مواجهة الدولار أديا إلي إغضاء البصر وعدم متابعة الآثار الخلفية المترتبة علي هذه القوة النسبية للعملة الوليدة، مما أدي إلي طرح احتمالات تفتت وتناثر تلك المجموعة المكونة لمنطقة 'اليورو'. إلا أن اتضاح مناطق الضعف، وافتقار الشفافية الاقتصادية في المنطقة، كانا بمثابة نقطة البداية لتركيز الأضواء علي خطط الإصلاح الاقتصادي طويلة الأجل، مع إحكام قبضة الرقابة علي تعاملات أسواق المال، وبخاصة في مجال المشتقات والسندات الحكومية، وإعادة القوة إلي اتفاقية التثبيت والنمو الاقتصادي، بعد سنوات من تجاهلها. كما تم إعطاء دفعة لأداء البنك المركزي الأوروبي، وتخليه عن سياسة مكافحة التضخم إلي سياسة الإقراض للبنوك والمؤسسات المالية بهدف زيادة تدفقاتها النقدية، ووضع الخطط المستقبلية لإقامة آلية وصندوق دعم مالي للدول المتعثرة في وقت الأزمات المالية، والحد من المضاربات علي 'اليورو' والسندات الحكومية الأوروبية.

ومن ثم، قد تكون الأزمة وتداعياتها الأوروبية بمثابة بداية جديدة 'لليورو' - بعد انطلاقه في عام 1999 - من خلال دعم الاتفاقيات، وتوسيع نطاق الإشراف والمراقبة، وآليات الأداء، ليعود من جديد منافسا 'للدولار'، وهو هدف لن تتخلي عنه الدول الأوروبية، ولن تتوقف عن السعي إليه وتدعيمه.

------------------
* كاتبة متخصصة في الاقتصاد السياسي.

 
طباعة المقالــة إرسال لصديق