الرئيسية . من نحن . الاشتراكات . مواقع مختارة . اتصل بنـــــــا  
إدارة المياه في عصر الندرة
كارن أبو الخير *
ملف العدد .....

اضغط على الخريطة للتكبير

ليست دول حوض النيل وحدها التي تنشغل بقضايا إنشاء السدود وتقسيم المياه. ففي المناطق الشرقية - الجنوبية في الولايات المتحدة، والشمالية من الصين، وفي الهند واليمن وحتي مناطق في شمال بريطانيا، ينشغل العالم بتداعيات مشكلة ندرة المياه، وهي المشكلة المرشحة لأن تلعب دورا رئيسيا في تشكيل ملامح العالم في القرن الحادي والعشرين.

المياه .. مورد طبيعي متجدد :

تعتبر المياه العذبة المورد الطبيعي الوحيد الذي يتجدد عبر دورة طبيعية من التبخر والأمطار(1). وتقدر كمية المياه العذبة المتاحة في العالم ب- 11 تريليون متر مكعب، هذه الكمية ثابتة، ولم تتغير عبر تاريخ البشرية، حتي هذا القرن علي الأقل.

تتسرب 95% من هذه المياه إلي خزانات جوفية، بينما تنساب النسبة الباقية في شكل أمطار وأنهار وبحيرات عذبة. لو قسمت هذه المياه بالتساوي علي سكان الأرض، لكان نصيب كل منهم ما بين 5 و6 آلاف متر مكعب سنويا، ولكنها ليست موزعة جغرافيا بشكل يتوازي مع التوزيع السكاني. فيوجد في قارة آسيا ثلث مصادر المياه المتجددة في العالم، بينما يعيش فيها 3/5 سكانه. وتحظي أمريكا الجنوبية بنسبة 28% من مصادر المياه العذبة، بينما لا يقطنها سوي 6% فقط من سكان الأرض. أما أمريكا الشمالية، ففيها 18% من موارد المياه، و8% من سكان البسيطة. يتجمع نحو ثلث المياه الجارية في أنهار البرازيل، وروسيا، وكندا، والولايات المتحدة، بينما يتركز ثلث سكان الأرض في أراض شبه صحراوية لا تحصل إلا علي 8% من مصادر المياه المتجددة(2).

تشير التقارير الدولية إلي أن ندرة المياه والتي تعرف بأن يكون نصيب المياه المتاح لكل فرد أقل من 1700 متر مكعب كل عام- مشكلة أصبحت تواجه البشرية في جميع أنحاء العالم، حيث تعاني 43 دولة مشكلة ندرة المياه. تتركز 35 من هذه الدول في إفريقيا، ويأتي علي رأسها إثيوبيا، والنيجر، بالإضافة إلي هايتي، كأكثر دول العالم فقرا في المياه(3). وكما أشار تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2006، فإن لمشكلة ندرة المياه شقين: شق يتعلق بغياب البنية الأساسية اللازمة لتوصيل مياه الشرب الصحية لكل من يحتاج إليها، وشق يتعلق بنقص أو ندرة في موارد المياه ذاتها. تشير الدراسات أن 1.2 مليار شخص، أي خمس البشرية، يعيشون في أماكن لا تتوافر فيها مصادر كافية من المياه لتغطية احتياجاتهم، وأن 500 مليون شخص آخرين يقتربون من مثل هذا الوضع. من ناحية أخري، يعاني نحو ربع سكان الأرض نقصا في المياه لأسباب اقتصادية، أي لعدم وجود الإمكانيات المادية لإنشاء البنية الأساسية اللازمة للاستفادة من مياه الأنهار أو المياه الجوفية(4).

خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تصاعد استخدام المياه بمعدل يعادل ضعف الزيادة السكانية، حيث اعتمدت النهضة الصناعية الحديثة علي استغلال المياه. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، وحده، تمت إقامة 45 ألف سد كبير(5). وكانت الولايات المتحدة سباقة في هذا المجال، حيث تضاعف استخدامها من المياه من 40 مليار جالون يوميا في عام 1900 إلي 393 مليار جالون يوميا عام 5791. وقد زاد تعداد سكانها ثلاثة أضعاف خلال المدة نفسها. وبنهاية السبعينيات من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة قد أقامت سدودا علي كل أنهارها الرئيسية. وبحلول نهاية القرن العشرين، أنشأت الصين ما يقرب من 22 ألف سد كبير، مما ساهم في مضاعفة الأراضي المزروعة عن طريق الري. وفي عام 2006، افتتحت رسميا أكبر سد في التاريخ علي نهر اليانجتزي، والذي قامت ببنائه بالرغم من انتقادات شديدة للمخاطر البيئية التي سوف يسببها. اليابان من ناحيتها أقامت ما يقرب من 2.700 سد كبير علي أنهارها التي تنبع في الجبال، واحتلت الهند المركز الثالث عالميا، بعد الصين والولايات المتحدة، بإقامة 4.300 سد كبير. وبذلك، أصبح ما يقرب من 60% من أنهار العالم موقعا لسدود أو خزانات، بحيث تضاعفت إمكانيات تخزين المياه عالميا أربع مرات، وبلغت كمية المياه المخزنة ثلاثة إلي ستة أضعاف المياه الجارية في أنهار العالم. تزامنت هذه القدرة الكبيرة علي استغلال مصادر المياه مع تضاعف الطاقة المولدة من المياه، وتضاعف إنتاج العالم من الغذاء بمقدار مرتين ونصف مرة، وتضاعف حجم الاقتصاد العالمي ست مرات.

وكان لهذا الاستغلال المكثف تأثير سلبي في مصادر المياه والنظم البيئية التي تغذيها، حيث أزيلت مناطق الأحراش والغابات والمستنقعات والأرض الرطبة لاستغلالها في الزراعة. كما أدت إقامة السدود والخزانات إلي تغير بيئة الأنهار ومعدلات جريانها، وتم استنزاف موارد المياه الجوفية. وكانت المحصلة النهائية تناقص المياه الجارية في أكبر أنهار العالم، حيث لم تعد أنهار النيل أو الكولورادو أو الميكونج تصب في البحار بمعدلاتها المعتادة. ولم تعد مصادر المياه المتجددة قادرة علي الصمود أمام معدلات الاستهلاك الحالية، وأصبح من المشكوك فيه أن هناك ما يكفي من المياه يعود إلي سطح الأرض، عبر دورة المياه الطبيعية من التبخر والأمطار، للوفاء باحتياجات الدول النامية، الآخذة في الارتفاع نظرا للزيادة السكانية، ونمو المدن، وزيادة الطلب علي الغذاء، والتوسع في الإنتاج الصناعي. ويقدر تقرير للبنك الدولي(7) أنه بحلول عام 2030، سوف يكون الطلب العالمي علي المياه ضعف حجمه في عام 2005، كما سيزيد بنسبة 40% علي إمكانيات المصادر المائية المتجددة المتاحة حاليا. ولهذا السبب، فإن 3.9 مليار شخص، أغلبهم من الدول النامية سوف يعانون نقصا في المياه.

وبهذا، فقد وصل العالم إلي ما يسمي بنهاية عصر 'المياه الرخيصة'، حيث أصبح الوصول إلي مصادر جديدة للمياه أكثر صعوبة وتكلفة. ولأن كمية المياه المتوافرة في الطبيعة وثيقة الصلة بالحالة البيئية، فمن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلي زيادة حدة الأزمة المائية. ويتجسد ذلك بصورة واضحة في إفريقيا، حيث تزايدت حدة كل من الفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة، والتي تؤدي إلي انهيارات في التربة، وفقدان للثروة الزراعية والحيوانية، وفترات الجفاف الشديد التي تؤدي إلي قحط ومجاعات.

دول حوض النيل :

يمثل الوضع المائي لدول حوض النيل نموذجا يكاد يكون مثاليا لتضافر عوامل الندرة المائية الطبيعية، والندرة الاقتصادية المتعلقة بغياب البنية الأساسية اللازمة لاستغلال المياه المتاحة. يبلغ عدد سكان دول حوض النيل حاليا ما يقرب من 400 مليون شخص، ومن المنتظر أن يتضاعف عددهم بحلول عام 2025(8). وفي إثيوبيا، علي سبيل المثال، فإن 52% من المواطنين لا تصل إليهم مياه شرب نقية، و32%، بمن فيهم ربع سكان العاصمة أديس أبابا، لا يتمتعون بخدمات الصرف الصحي. وتشير التقارير الدولية أنه في عام 2005 كان ما يقرب من 1/8 سكان إثيوبيا يعتمدون علي المعونة الدولية لتوفير غذائهم الضروري. وبالرغم من ذلك، فإن إثيوبيا تحرز تقدما ملحوظا علي المستوي الاقتصادي، حيث حقق ناتجها القومي الإجمالي نموا بنسبة 11.6% في عام 2007 و11.1% في عام 2008، وإن كان قد شهد بعض التراجع في عام 2009 بسبب الأزمة الاقتصادية. تعاني إثيوبيا نقصا شديدا في الكهرباء، مما يعيق تقدمها الاقتصادي، وتوفير مستوي أفضل من المعيشة لمواطنيها. وبالتأكيد، فإن التحسن النسبي في الوضع الاقتصادي سوف يخلق طلبا متزايدا علي الغذاء والخدمات. كما أن استقرار الدولة داخليا سوف يكون مرتبطا بتوفير حياة أفضل للمواطنين للحد من النزاعات الداخلية. وفي مثال آخر، فقد تأثرت كينيا في عام 2009 بموجة من الجفاف الشديد، مما أدي إلي اعتماد ما يقرب من 1.6 مليون شخص علي المعونات الغذائية، بالإضافة إلي 3.5 مليون شخص يعيشون في المناطق المدنية، يعانون نقصا في الغذاء ويحتاجون أيضا إلي المعونة. ومن ناحية أخري، تسببت أمطار غزيرة سقطت علي كينيا في ربيع 2010 في حدوث فيضانات أدت إلي تشريد أكثر من 130 ألف شخص. وفي مناطق متعددة من كينيا، يحتاج النساء والأطفال إلي السير لعدة ساعات، حاملين عبوات لملئها من آبار أو خزانات بعيدة، وذلك للحصول علي كميات أساسية من المياه اللازمة لحياتهم، والتي قد تكون ملوثة في كثير من الأحيان.

تتسبب المياه الملوثة في أضرار صحية بالغة، كما أن المجهود المطلوب للحصول علي الماء يعيق الأطفال عن تحصيل التعليم، والنساء عن القيام بنشاط اقتصادي يحسن من وضع عائلاتهن. ويقدر المحللون أن الجفاف، الذي أصاب كينيا ما بين عامي 1999 و2000، قد تسبب في انكماش الناتج القومي الإجمالي بمقدار 16%. وتعاني كثير من بلاد حوض النيل مما تعانيه إفريقيا بشكل عام من غياب البنية الأساسية لاستغلال مصادر المياه أو تخزين الأمطار. ويقدر أن 1/5 كمية الأمطار الساقطة علي إفريقيا فقط تتجمع في مصادر يمكن الاستفادة منها. ولم تنج دول الحوض من تأثر مواردها المائية سلبا، سواء بسبب تغير المناخ أو بسبب سوء الاستغلال. فقد نضبت بالفعل عدة بحيرات في إثيوبيا، كما أن بحيرة فيكتوريا، وهي من أكبر البحيرات في العالم، تتعرض لنقص ملحوظ في مياهها، يقدر بنحو 6 أقدام في السنوات الأربع الأخير، مما يؤثر في الثروة السمكية وطرق الزراعة التقليدية وغيرها من النشاطات الاقتصادية، ويحتم علي الدول المشاطئة مواجهة مشكلاتها المائية بشكل جدي. وتقدر الأمم المتحدة أن إنفاق دولار واحد علي تحسين نوعية المياه وخدمات الصرف الصحي في إفريقيا يؤدي إلي عوائد اقتصادية تقدر بثمانية دولارات.

إدارة المياه :

تقوم إدارة المياه في كل الأحوال، خاصة في ظل نقصها أو ندرتها، علي الاختيار بين البدائل. وقد تنبه العالم أخيرا إلي ضرورة قياس مدي ما تستهلكه الأنشطة المختلفة من المياه. ففي مجال إنتاج الغذاء، علي سبيل المثال، يستهلك إنتاج كيلو جرام واحد من اللحم البقري 15 ألفا وخمسمائة لتر من المياه، بينما يستهلك إنتاج كيلو جرام واحد من القمح 1300 لتر من المياه، وإنتاج تفاحة واحدة 70 لترا(10).

وتعتبر الزراعة هي المستهلك الرئيسي للماء في العالم، حيث تشكل 70% من الاستهلاك العالمي في المياه، وترتفع النسبة إلي 90% في بعض الدول مثل الهند. وفي ظل نقص الموارد من المياه، تلجأ العديد من الدول إلي توفير مواردها في المياه، واستيراد ما تحتاج إليه من الغذاء من دول أخري. والجدير بالذكر في هذا الصدد الاتجاه الحالي لمختلف دول العالم 'للاستثمار' في الزراعة في الدول الإفريقية. ومن أبرز هذه المحاولات محاولة شركة 'دايو' من كوريا الجنوبية استغلال ما يقرب من نصف مساحة الأرض الزراعية في مدغشقر للزراعات الغذائية، وتصدير الإنتاج إلي بلدها الأم. وقد أثارت هذه المحاولة موجة عارمة من الاحتجاجات أدت إلي إقالة الرئيس وإلغاء الصفقة. وقد اعترض رئيس منظمة الغذاء والزراعة العالمية، جاك ضيوف، علي هذا الاتجاه، واصفا إياه بالاستعمار الجديد(11). كما أن لدول عربية خليجية مشروعات مماثلة في بعض دول حوض النيل، مما سيؤثر في كميات المياه المتاحة لاستغلال مواطنيها، حيث سيتم تصدير المنتجات الزراعية أو معظمها إلي الخارج.

أما الصناعة، فتشكل ما يقرب من 20% من استهلاك المياه العالمي. ويستهلك إنتاج طن واحد من الصلب، علي سبيل المثال، ما يقرب من 230 ألف لتر من المياه، ويستهلك إنتاج رطل واحد من البلاستيك 16 ألفا و 600 لتر من المياه، وإنتاج بنطلون واحد من قماش الجينز 10 آلاف و 855 لترا من المياه. والجدير بالذكر أن خمس شركات عالمية في مجال الصناعات الغذائية (نستلة، دانون، يونيليفر، أوهاوزن بوش، وكوكاكولا) تستهلك مجتمعة كمية مياه تكفي للاستخدام المنزلي اليومي لكل سكان العالم.

ولا يدرك الكثيرون العلاقة بين الأمن المائي وأمن الطاقة. فإنتاج الطاقة يستهلك الكثير من المياه، كما أن نقل المياه وضخها وتكريرها يستهلك أيضا الكثير من الطاقة. وتقدر بعض الدراسات أن تكلفة الكهرباء المستخدمة في توصيل مياه الشرب إلي مستهلكيها تشكل ما يقرب من 80% من تكاليف هذه العملية. وعلي سبيل المثال، فإن 19% من استهلاك ولاية كاليفورنيا الأمريكية من الكهرباء، و 33% من استهلاكها من الغاز الطبيعي، يستخدم في نشاطات متعلقة بضخ وتكرير ونقل المياه. فالمياه عنصر ثقيل، يبلغ وزن المتر المكعب منها طنا كاملا، ولذلك تحتاج إلي طاقة كبيرة لتحريكها. ونظرا لزيادة عدد سكان المدن علي المستوي العالمي، حيث من المنتظر أن يقطن 60% من سكان العالم في المدن بحلول عام 2030، سوف تصبح حاجتهم إلي المياه والصرف الصحي منافسا حقيقيا للمياه المخصصة للزراعة.

من ناحية أخري، يستهلك إنتاج الطاقة كميات كبيرة أيضا من المياه. فإنتاج ميجاوات/ساعة من الكهرباء باستخدام الفحم يستهلك 510 جالونات من الماء. ويستهلك إنتاج كمية الكهرباء نفسها باستخدام الغاز الطبيعي 415 جالونا. وباستخدام الطاقة النووية، فإن ذلك يستهلك 785 جالونا من الماء. ويستهلك إنتاج جالون واحد من البنزين أو الديزل ما بين جالون إلي جالونين ونصف جالون من الماء. أما الوقود الحيوي، مثل الإيثانول المستخرج من الذرة، فيستهلك ما يوازي 50 جالونا من الماء لإنتاج كل وحدة من الطاقة. ويستهلك جالون من الوقود الحيوي المصنع من فول الصويا ما قد يوازي 9 آلاف جالون من الماء(12).

وقد تنبه القطاع الخاص والشركات العالمية لأهمية تحديد القيمة الاقتصادية للماء، حيث إن نقص المياه يشكل تهديدا حقيقيا لمصالحهما المباشرة. وقد شكل عدد من هذه الشركات مجموعة بحثية 'The 2030 Water Resource Groupس أصدرت دراسة في عام 2008(13)، تحمل رسالة واضحة بأن المشكلة ليست نقص المياه المتاحة، بل سوء إدارة هذا القطاع الحيوي، مشيرة إلي أن التطور والإبداع في مجال الاستخدام الأمثل للمياه تخلف إلي حد بعيد عن القطاعات الأخري. وتشير الدراسة إلي أن البعد الغائب في هذه القضية هو الآليات التي تسمح بإدماج القرارات المتعلقة بإدارة المياه في التخطيط الاقتصادي الشامل الذي تقوم به الحكومات.

فالمياه قضية حيوية بالنسبة للعديد من القطاعات، سواء الصناعة أو الزراعة أو إنتاج الطاقة، ويجب ألا تتخذ القرارات بشأن إدارة قطاع المياه بمعزل عن الاستراتيجية الاقتصادية للمجتمع ككل. ويأتي في قلب هذه الاستراتيجية المتكاملة الأبعاد الفنية والهندسية لعملية إدارة المياه، وموازنة العرض والطلب، وتحقيق الكفاءة في التوصيل، وما إلي ذلك. يرتبط بذلك بشكل وثيق توفير الاستثمارات اللازمة لإقامة المشروعات المتعلقة بتطوير القطاع المائي. ويجب أن يدار هذان المستويان بالتنسيق مع الاقتصاد السياسي ككل، وهو المستوي الذي يتم فيه إجراء المفاضلة بين البدائل والاختيارات المختلفة لاستخدامات المياه، بما يتوافق مع أهداف الاستراتيجية الاقتصادية. ومن أجل تحقيق هذا التنسيق، يجب إنشاء مؤسسات فاعلة تستطيع بحث المشكلات، وتوفير الحلول بكل أبعادها التقنية والاقتصادية.

ورغم أن مشكلة ندرة المياه هي مشكلة عالمية، فإن التعامل معها غير ممكن إلا علي المستوي المحلي. ونظرا لأن معظم الدول تشترك مع دولة أو دول أخري في مواردها المائية، سواء كانت أنهارا أو مياها جوفية، فإن التنسيق علي المستوي الإقليمي يصبح ضروريا.

والجدير بالذكر أن هناك 263 نهرا في مختلف أنحاء العالم تشترك فيها دولتان أو أكثر. تغطي أحواض هذه الأنهار ما يقرب من 47% من مساحة اليابسة، وتضم نحو 40% من عدد سكانها. وكما يعتبر نهر النيل أطول هذه الأنهار، فإنه أيضا يضم أكبر عدد من الدول تجتمع في حوض نهر واحد في العالم (10 دول). وبرغم المخاوف التي تتردد بشكل متكرر عن اندلاع حروب المياه، فلم يثبت في التاريخ الحديث أن اندلعت حرب بسبب المياه. بل علي العكس، كانت السمة الغالبة لتفاعلات الدول هي التعاون. وفي حالة الهند وباكستان، علي سبيل المثال، فقد التزمت كل من الدولتين بالاتفاق الموقع في الستينيات من القرن الماضي بخصوص اقتسام مياه نهر الأندوس برغم علاقاتهما المتوترة، بل واندلاع الحروب بينهما(14).

ومن المؤكد أن قضية المياه ستلعب دورا محوريا في توازنات القوي في القرن الحادي والعشرين. فتشبث الصين بإقليم التبت يعود في جزء غير قليل منه إلي أن معظم الأنهار الآسيوية تنبع من هضبة التبت. ومن المعروف أن توفير المياه اللازمة للنشاط الصناعي الهائل في الصين، وتوليد الطاقة، بالإضافة إلي توفير المياه اللازمة في الإقليم الشمالي الذي يعاني ندرة شديدة، تمثل تحديا حقيقيا للقيادة الصينية، ونقص المياه يهدد رحلة صعودها. لذلك، تسعي الصين بكل الوسائل لزيادة مواردها من المياه، وتخطط لإقامة سدود في مناطق جبلية وعرة في منطقة التبت. وفي منطقة الشرق الأوسط، فإن الوفرة النسبية للمياه في تركيا، وتحكمها في منابع الأنهار التي تصب في كل من العراق وسوريا، ومشروعاتها المختلفة لنقل المياه إلي إسرائيل، تدعم من منزلتها الإقليمية.

لقد أصبحت عملية إدارة المياه في القرن الحادي والعشرين تحتل مكانة محورية في كل القضايا الاقتصادية والسياسية والخارجية، وبالتالي أصبح علي كل المؤسسات، الحكومية وغير الحكومية، الاقتصادية والسياسية، التفاعل والتعامل معها من خلال نقاشات مجتمعية مفتوحة، حيث إن لها تداعيات مصيرية علي كل قطاعات المجتمع.

الهوامش :

1- The Secretariat of the Convention on Biological Diversity. Drinking Water، Biodiversity and Development: A Good Practice Guide، Montreal، 2010.

2- Steven Solomon، Water، The Epic Struggle for Wealth، Power and Civilization. New York، Harper Collins Publishers، 2010، p. 375.

3- The World Bank Independent Evaluation Group، زWater and Development، An Evaluation of World Bank Support، 1997-2007'، 2010.

4- Coping with Water Scarcity، Challenge of the Twenty First Century، Report for World Water Day، 2007، www.worldwaterday07.org.

5- Steven Solomon، op.cit.، pp. 356-363.

6- Stockholm International Water Institute (SIWI) زOn the Verge of a New Water Scarcityس، Sweden، 2007.

7- The World Bank Independent Evaluation Report، op.cit.

8- Peter Pham، زCrisis، Conflict and Opportunity in the Nile Basin، http://worlddefensereview.com/pham020910.shtml.

9- USAID and The Foundation for Environmental Security and Sustainability، Cooperation and Competition: Managing Transbundary Water Resources in the Lake Victoria Region. Working Paper No. 5، 2009.

10- Jakob Granit، زElaborating on the Nexus Between Energy and Waterس، March 2010، www.ensec.org/index.php؟view=article&catid=103%3Aenerg.

11- Lorenzo Cotula، Sonja Vermulen، Rebeca Leonard and James Keeley، Land Grab or Development Opportunity؟ Agricultural Investment and International Land Deals in Africa. FAO & IFAD، 2009.

12- زThe Water-Energy Nexusس، Water Resources Research Center، The University of Arizona، 2010.

13- The 2030 Water Resource Group، زCharting our Water Future، Economic Framework for Decision Makingس، 2008.

14- David Michel، زA River Runs Through It. Climate Change، Security Challenges and Shared Water Resourcesس، in David Michel and Amit Pandya، Editors، Troubled Waters، The Henry L. Stimson Center، Washington، D.C.، 2009.

------------------
* مديرة تحرير مجلة السياسة الدولية.

 
طباعة المقالــة إرسال لصديق