الرئيسية . من نحن . الاشتراكات . مواقع مختارة . اتصل بنـــــــا  
العدوان علي قافلة الحرية .. قرصنة إسرائيلية وإدانة عالمية
أبوبكر الدسوقي *
قضايا السياسة الدولية .....

تكاد تكون إحدي المرات القليلة التي يجمع فيها المجتمع الدولي علي إدانة إسرائيل، بعد هجوم قواتها البحرية علي قافلة الحرية - التي ضمت ناشطين من المجتمع المدني من جنسيات مختلفة - وكانت في طريقها إلي غزة لكسر الحصار المفروض عليها، مما أدي إلي سقوط قتلي وجرحي من المدنيين علي نحو أعاد إلي الأذهان ما ارتكبته إسرائيل من مذابح ضد المدنييين العزل علي مدي تاريخها، مثل دير ياسين، وبحر البقر، وأبي زعبل، وضد الأسري المصريين في سيناء غداة حرب يونيو 1967، وقانا والحرم الإبراهيمي وغزة...، الأمر الذي ألقي بمزيد من التساؤلات حول ماهية الحادث، وما الذي دفع إسرئيل للاستخدام غير المبرر للقوة إزاء المدنيين، ومن هؤلاء الذين نظموا ورعوا وشاركوا في قافلة الحرية، وكيف عبر المجتمع الدولي عن إدانته للحادث.

ماذا حدث؟

أبحرت قافلة الحرية من أمام السواحل القبرصية في اتجاه غزة لكسر الحصار، وقد حاول رواد القافلة إقناع حكومة السويد بالتوسط لدي إسرائيل للسماح بمرور القافلة نحو غزة، لكن إسرائيل كانت تنوي اعتراض القافلة. وقد وقع الهجوم الإسرائيلي فجر يوم 31 مايو 2010، عندما حاولت قوات البحرية اقتحام السفينة التركية 'مرمرة الزرقاء' (قائدة أسطول الحرية) عن طريق الزوارق البحرية، ولكنها فشلت، ولجأت لاستخدام الطائرات المروحية والحبال. وقبل أن ينزل الجنود علي سطح السفينة، ألقوا القنابل الصوتية وقنابل الغاز، كما أطلقوا النيران بشكل عشوائي، الأمر الذي أدي لمقتل تسعة عشر ناشطا، منهم تسعة أتراك، وإصابة ستة وعشرين آخرين، وتم الاستيلاء علي السفينة وإرغامها علي التوجه إلي ميناء أشدود الإسرائيلي. وحسب الرواية الإسرائيلية فإن المتضامنين بادروا بالعنف بقضبان حديد وآلات حادة ورصاص حي(1).

ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل قام نائب وزير الدفاع الإسرائيلي بالإعلان عن أن إسرائيل ستمنع وصول أي سفينة إنسانية دولية أخري لقطاع غزة، وهذا ما حدث بالفعل، عندما اقتحمت البحرية الإسرائيلية يوم 5 يونيو 2010سفينة الإغاثة الأيرلندية 'ريتشيل كوري'، والإبحار بها صوب ميناء أشدود، ولكن دون وقوع أحداث عنف(2).

وقد اضطرت تل أبيب للإفراج عن معتقلي قافلة الحرية بضغوط أمريكية من أجل مساعدة واشنطن في تجنيد أغلبية في مجلس الأمن الدولي، تؤيد فرض عقوبات علي إيران، وذلك بعد كانت تل أبيب تنوي محاكمة بعض المشاركين في القافلة بتهمة الاعتداء علي الجنود الإسرائيليين(3).

وقد أجمع عدد غير قليل من الخبراء علي أن ما حدث هو عمل من أعمال القرصنة، طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، حيث اقتحمت القوات الإسرائيلية قافلة الحرية في المياه الدولية علي بعد 70 ميلا بحريا، وكذلك مخالفتها للمادة 59 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949 التي توجب علي دولة الاحتلال أن تسمح بعمليات الإغاثة لمصلحة السكان تحت الاحتلال، وانتهاكها للمادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي نصت علي أن القتل العمد يشكل جريمة ضد الإنسانية(4).

ووصف الرئيس المصري حسني مبارك الجريمة بأنها استخدام مفرط للقوة، بينما وصفها أمير قطر بالقرصنة ضد متضامنين عرب وأجانب لكسر حصار غير عادل، في حين وصفها الرئيس الفلسطيني بأنها جريمة مركبة ضد الناشطين وضد الشعب الفلسطيني، كما وصفها الفيلسوف اليهودي الفرنسي 'برنار هنري ليفي' بأنه عمل أحمق أسوأ من الهزيمة العسكرية. أما ممثل حركة حماس في لبنان، أسامة حمدان، فقد وصف الأزمة بأنها يوم أسود في تاريخ الكيان الإسرائيلي.

لماذا حدث هذا؟

هناك جهتان، لكل منهما ما يبرره للقيام بما فعلته. فيما يتعلق بالجهة الأولي، وهي هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (الراعي الرئيسي لقافلة الحرية) التي هدفت من إرسال القافلة إلي تنبيه العالم بخطورة الحصار الجائر الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة، حيث عبر رئيس مكتب هيئة الإغاثة الإنسانية التركية في غزة، محمد كايا، وقال: 'لم نكن نرغب في إيصال المساعدات التي حملتها السفن فقط، ولكن كانت الرسالة من وراء هذا الأسطول أكبر بكثير، وتتمثل في إيقاظ العالم من سباته تجاه صمته علي حصار مليون ونصف المليون فلسطيني، وهذه هي النتيجة الأهم وقد تحققت، وعاد موضوع الحصار إلي الواجهة من جديد، كجهد تراكمي في إنهاء هذه المعاناة'(5).

أما الجهة الأخري، فتتمثل في إسرائيل، ولديها عدة أسباب، أولها يرجع للتوتر الحادث في العلاقات الإسرائيلية - التركية منذ فترة. فرئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، الذي فشل مرارا وتكرارا في الانضمام للاتحاد الأوروبي قرر التوجه صوب العالم العربي لتعزيز موقفه، وجذب المسلمين في تركيا لتأييد حزبه الحاكم، حيث قام بشجب الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة في ديسمبر 2008 . بل وذهب أبعد من ذلك، عندما عبر عن غضبه من إسرائيل خلال مشاركته في منتدي دافوس الاقتصادي بأن غادر جلسة نقاش مشتركة كان يحضرها الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، متهما إسرائيل بأنها احترفت الإجرام في تقتيل الفلسطينيين.

والسبب الثاني الذي أثار حفيظة إسرائيل هو محاولة تركيا التقرب من إيران وتعزيز علاقتها بها، ووضح ذلك جليا في العرض الذي تقدمت به تركيا والبرازيل بتبادل الوقود النووي مع إيران في شهر مايو 2010

أما السبب الثالث، فيكمن في رغبة إسرائيل في عدم كسر الحصار علي غزة، وعدم تشجيع الآخرين علي القيام بإرسال أية قوافل إنسانية لغزة، حتي لا تصبح غزة قاعدة للإرهاب تهدد قلب إسرائيل علي نحو ما صرح به نائب وزير الدفاع الإسرائيلي(6)

المشاركون في الحملة :

رعت ونظمت هيئة الإغاثة التركية الإنسانية 'قافلة الحرية' لكسر الحصار علي قطاع غزة، حيث اشترت السفينة 'مرمرة الزرقاء' لهذا الغرض، وهي جمعية غير حكومية إسلامية أسست رسميا عام 1995 بهدف تأمين المساعدات الإنسانية للبلدان التي تعاني حروبا ونزاعات، وتنشط في أكثر من مائة بلد حول العالم.

وعلي الرغم من تعرضها لانتقادات بسبب طابعها الإسلامي، تجدر الإشارة إلي أن الجمعية منتسبة - كعضو استشاري - إلي المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة منذ تأسيسها. وقد بدأت الهيئة عملها علي الساحة الدولية بتقديم المساعدات الإنسانية لمسلمي البوسنة، كما نظمت عدة مهمات إنسانية في بلدان كثيرة منها باكستان، وبلغاريا، وألبانيا، ولبنان، وإندونيسيا، والعراق، والأراضي الفلسطينية، وهايتي، وغيرها من البلدان في إفريقيا وأمريكا الجنوبية.

وتؤكد هيئة الإغاثة التركية أنه لا علاقة لها 'بالجهاديين' كما تتهمها صحيفة الدايلي تيليجراف البريطانية، وأن هدفها ينحصر في مساعدة المحتاجين إنسانيا حول العالم. وقد أسست في البداية لمساعدة فقراء اسطنبول، أكبر مدن تركيا، قبل أن تبدأ بالتوسع في العمل الإنساني الإقليمي والدولي. وهي تقوم علي التبرعات الخاصة للمنتسبين إلي الجمعية، وبخاصة في أوساط طبقة التجار المسلمين الأغنياء في تركيا. وقد كان رئيس هيئة 'بولنت يلدريم' علي متن السفينة 'مرمرة الزرقاء' التي تم العدوان عليها(7).

ولقد اعتبرت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية أن النتائج التي أسفرت عن اعتداء البحرية الإسرائيلية علي سفن كسر الحصار كانت أفضل بكثير مما توقعته، خصوصا أنها كشفت بشكل واضح عن الوجه القبيح لدولة إسرائيل التي عرفها العالم علي حقيقتها المنافية لادعائها الحرية والديمقراطية. حيث نجحت هذه الهيئة في إحراج إسرائيل عالميا، وإعادة الزخم العالمي إلي القضية الفلسطينية، والتعاطف مع غزة وشعبها المحاصر، وألقت بمزيد من الضوء علي الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني علي المستوي العالمي(8).

وقد شارك في القافلة ناشطون من جنسيات دولية عديدة، حيث شارك من مصر نائبان من البرلمان وهما (د. محمد البلتاجي، أمين عام الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين ود.حازم فاروق عضو الكتلة)، وشارك من الجزائر 32 شخصا بعضهم من السيدات منهم (نجوي سلطاني، زوجة زعيم إخوان الجزائر الشيخ أبوجرة سلطاني).

ومن سلطنة عمان ناشطان، ومن الأردن 23 ناشطا، ومن الكويت 16 كويتيا، بينهم أحد أعضاء مجلس الأمة الكويتي (وليد الطبطبائي) وخمس سيدات(9).

كما شارك من عرب 48 الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامة في إسرائيل، وحنين زعبي، عضو الكنيست الإسرائيلي التي تعرضت للتعنيف في الكنيست جراء مشاركتها في القافلة، وشارك من موريتانيا ناشطان وصحفي، وشارك من لبنان أربعة، وثلاثة فرنسيين، وأمريكي، ومن اليونان 31 ناشطا، بينما كانت المشاركة الأكبر من تركيا حيث شارك منها475 شخصا، قتل منهم تسعة(10).

المواقف وردود الفعل :

أدان المجتع الدولي الحادث علي كافة المستويات، بداية من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوي الكبري، مرورا بتركيا والدول العربية، والعديد من دول العالم، وهي علي النحو التالي:

فقد أعربت الأمم المتحدة والمفوضية العليا لحقوق الإنسان عن صدمتهما من العدوان الإسرائيلي، وتحادث الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي لبحث تشكيل لجنة للتحقيق تضم ممثلين عن كل من الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل(11).

كما أدن مجلس الأمن الدولي في الأول من يونيو 2010 الأعمال التي أدت إلي مقتل مدنيين خلال العملية العسكرية الإسرائيلية ضد أسطول الحرية، ودعا المجلس إلي إجراء تحقيق 'سريع وغير متحيز وذي مصداقية وشفاف' يتناسب مع المعايير الدولية، والإفراج فورا عن السفن والمحتجزين.

وحث المجلس إسرائيل علي السماح للقنصليات الأجنبية باسترجاع جثث الضحايا والجرحي والسماح للمساعدات الإنسانية التي كانت تحملها السفن بالوصول إلي مقاصدها. وشدد المجلس علي أن الوضع في قطاع غزة غير قابل للاستمرار، وركز علي أهمية تطبيق القرارين 1850 لعام 2008، و1860 لعام 2009، والقاضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء الحصار الجائر علي غزة. كما أعلن المجلس عن دعمه لمفاوضات السلام غير المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل. وبعد عشر ساعات من المداولات في المجلس، خرج ببيان وصف بأنه باهت، ويغري المعتدين بالمزيد من العدوان، ولكن خرج المجلس ببيان يعلن أسفه عن الأرواح التي أزهقت(12).

كما أدان الاتحاد الأوروبي الحادث، وأعربت وزيرة الخارجية ' كاترين اشتون' عن أسفها العميق إزاء سقوط قتلي في عملية الاقتحام الإسرائيلية للسفن الست، وطالبت بإجراء تحقيق مستفيض في ظروف هذه العملية، والسماح فورا بنقل الإمدادات الإنسانية إلي قطاع غزة(13)

كما تصاعدت مطالب أوروبية غير رسمية بضرورة تجميد اتفاق الشراكة مع إسرائيل. كما عبر بابا الفاتيكان عن تألمه وقلقه إثر الهجوم العسكري علي أسطول الحرية بسبب الخسارة غير المجدية للأرواح. وعبرت جميع العواصم الأوروبية عن استيائها من العدوان الإسرائيلي، واستدعت السفراء الإسرائيليين لديها لطلب توضيحات. كما انطلقت المظاهرات في 30 مدينة فرنسية، ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلي قبول تحقيق دولي موثوق به ونزيه حول الهجوم. كما دعت بريطانيا لإجراء تحقيق دولي. واقترحت باريس ولندن معا دورا أوروبيا لضمان تدفق المعونات إلي القطاع(14).

وقررت الحكومة اليونانية وقف المناورات العسكرية المشتركة مع سلاح الجوي الإسرائيلي، التي بدأت بالفعل قبيل الهجوم الإسرائيلي علي أسطول الحرية، وكان مقررا لها أن تستمر حتي الثالث من يونيو 2010 . وأعربت الخارجية الألمانية عن قلقها البالغ. واعتبرت إسبانيا -التي تتولي رئاسة الاتحاد الأوروبي حتي نهاية يونيو2010- الهجوم الإسرائيلي غير مقبول. كما أدانت بلجيكا العدوان الإسرائيلي علي أسطول الحرية غير المبرر. ووصفت السويد، الهجوم بأنه 'غير مقبول بتاتا).15)

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أعربت عن أسفها لخسارة أرواح بشرية بعد الهجوم الإسرائيلي علي أسطول الحرية، وأكدت واشنطن أنها تريد معرفة ظروف المأساة. أما الوفد الأمريكي في مجلس الأمن، فقد مارس دوره في تعطيل قرار في المجلس يدين المجزرة الإسرائيلية الجديدة، واعترض علي المطالبة بتحقيق مستقل خلال ثلاثين يوما. وشدد علي استخدام مصطلح الأعمال التي أدت إلي سقوط قتلي بما يحمل الناشطين جزءا من المسئولية، وصمم علي إضافة جملة تطالب دول المنطقة بدعم الطرفين للمضي في مفاوضات السلام.

ورغم عدم إدانتها لإسرائيل، فإن الولايات المتحدة ضمت صوتها للأمم المتحدة للمطالبة بضرورة تحقيق دولي، ووافقت علي خروج البيان في صيغته المخففة(16)

وقد دعت روسيا إلي تحقيق حيادي في الموضوع. وأدانت الصين اعتداء إسرائيل علي قافلة الحرية، وأعربت عن صدمتها البالغة وأسفها العميق، وطالبت إسرائيل بالالتزام بالقانون الدولي(17)

وقد احتجت تركيا بشدة علي العدوان الإسرائيلي، حيث اتهم رجب طيب أردوغان إسرائيل بممارسة إرهاب الدولة، ووصفه بأنه عمل يتعارض مع مبادئ القانون الدولي. وقد بادرت تركيا بسحب سفيرها من تل أبيب، محذرة من أن الحادث يمكن أن تترتب عليه عواقب لا يمكن إصلاحها في العلاقات الثنائية. ودعت تركيا مجلس الامن للانعقاد ودعت أيضا لاجتماع طارئ لحلف الناتو لبحث العدوان(18).

كما عقد رجب طيب أردوغان اجتماعا أمنيا في مقر رئاسة الوزراء، شارك فيه أعضاء مجلس الأمن القومي التركي، ورئيس الأركان، وقادة الجيش، ونائب رئيس الوزراء، ووزراء الدفاع، والخارجية، والداخلية، والعدل، وغيرهم من المسئولين لمناقشة أبعاد الاعتداء علي أسطول الحرية.

وقال أردوغان - في كلمة له خلال اجتماع للكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية - 'إن هذا الهجوم الوقح وغير المسئول الذي ينتهك القانون ويدوس علي الكرامة الإنسانية يجب حتما أن يعاقب عليه'. وحذر أردوغان الكيان الإسرائيلي من مغبة اختبار صبر تركيا، مؤكدا أنه بقدر ما تكون صداقة تركيا قوية، فإن عداوتها أقوي. كما أن رئيس الوزراء التركي قد أعلن أن إسرائيل يجب أن تعاقب علي المذبحة الدموية التي ارتكبتها، إلا أن نائب رئيس الوزراء 'بولنت أرنج' عاد وأكد أنه يجب ألا يتوقع أحد أن تعلن تركيا الحرب علي إسرائيل بسبب الهجوم علي القافلة(19).

كما ألغت تركيا مناورات عسكرية مشتركة، كما فعلت من قبل لتكون هذه هي المرة الثالثة علي التوالي التي تؤجل فيها أنقرة مناورات عسكرية مع إسرائيل(20)

وطالب البرلمان التركي بالإجماع باتخاذ تدابير فعالة ضد إسرائيل بعد الهجوم، في موازاة بحث وزارة العدل التركية إصدار ملاحقات قضائية بحق المسئولين عن الحادث. في حين استدعت إسرائيل عائلات الدبلوماسيين العاملين في سفارتها في أنقرة والقنصلية في اسطنبول وأعادتهم إليه.

كما علقت تركيا مباحثات حول مد خط أنابيب الغاز الطبيعي الروسي إلي إسرائيل في إطار مشروع التيار الأزرق. فقد كان هناك اتفاق لنقل الغاز من أذربيجان إلي إسرائيل عبر تركيا، إلا أن رئيس الوزراء الروسي استبعد إمكانية مد خط الغاز لأسباب مادية، لكنه أكد أنه سيمتد إلي سوريا ولبنان. في حين ألمح مراقبون إلي أن تركيا لن توافق علي مد الخط إلا بعد الاستجابة لمطالبها، التي تحددت في اعتذار إسرائيل الرسمي عما بدر منها، وتحملها المسئولية عن حادث أسطول الحرية، ورفع الحصار عن غزة، وتشكيل لجنة تحقيق دولية في هذه الجريمة(21).

وهناك قلق إسرائيلي من قيام أنقرة بإعادة النظر في قاعدة استخبارية تديرها إسرائيل في شرق تركيا لمتابعة ورصد المشروع النووي في إيران. وعلي المستوي الشعبي، خرج أكثر من 10 آلاف شخص في اسطنبول في مظاهرات غاضبة، وتوجهوا إلي القنصلية الإسرائيلية، مرددين شعارات معادية لإسرائيل، وتظاهر ألاف الأتراك أثناء تشييع جنازة الشهداء التسعة من مسجد الفاتح(22).

وقد وصل الغضب التركي إلي ذروته، حيث أشار استطلاع للرأي إلي أن 53% من الشعب التركي يؤيدون القيام بعمل عسكري ضد الكيان الإسرائيلي، بينما رأي 72% ضرورة استنفاد الوسائل الدبلوماسية أولا لردع الكيان الإسرائيلي عن أفعاله، وذلك وفقا لما جاء في الاستطلاع الذي أجرته صحيفة (وقت) التركية بمشاركة 166 ألف مواطن تركي(23).

وقال وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو - في مؤتمر صحفي في أنقرة - إن مستقبل العلاقات مع إسرائيل يعتمد علي مواقفها القادمة، وقال: 'إنني لا أري سببا لعدم عودة العلاقات إلي طبيعتها بمجرد رفع الحصار عن غزة، والإفراج عن مواطنينا'. فالأتراك الآن لا يزالون يتحدثون عن الصداقة التركية التي قد يفقدها الكيان الإسرائيلي بتصرفاته الرعناء غير المسئولة، ويتحدثون بذلك إلي واشنطن، كما يؤكدون حرصهم علي علاقتهم بإسرائيل، رغم أنهم يعلمون جيدا أن سياستهم تجاه القضية الفلسطينية ومد جسور الود بينهم وبين الشعوب والدول العربية سوف تؤثر حتما في علاقتهم بإسرائيل. ويؤكد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية الأسبق 'ألون ليئيل' أن تدهور العلاقات مع تركيا يتصدر قائمة الأضرار اللاحقة بإسرائيل عالميا جراء 'حماقتها البلطجية'، وشكك في جدوي دعاية إسرائيل الرامية إلي تحسين صورتها(24).

أما الدول العربية، فقد أعلنت عن إدانتها بالإجماع للعدوان الإسرائيلي الرامي إلي إعاقة كل الجهود التي من شأنها أن تنهي حصارها البغيض علي غزة. ودعت الجامعة العربية لاجتماع طارئ علي المستوي المندوبين، أعقبه اجتماع علي مستوي وزراء الخارجية العرب، حيث وصفت الجامعة العربية الهجوم الإسرائيلي علي أسطول الحرية بأنه عمل إرهابي يؤكد بكل جلاء الطبيعة العدوانية لإسرائيل، واستخفافها بكل القواعد والقوانين الإنسانية والدولية. كما دعت المجتمع الدولي ومؤسساته إلي التحرك الفوري لاتخاذ الإجراءات الرادعة ضد هذه الدولة المارقة، التي تمارس كل أنواع الإرهاب والقرصنة، وإثارة التوتر والاضطراب في المنطقة، كما بحث الاجتماع الوزاري في وسائل عملية لكسرالحصار عن غزة، وضرورة الالتزام بإيصال المعونات الطبية والأغذية ومواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار، وغيرها من الاحتياجات الضرورية للشعب الفلسطيني في القطاع بشتي الوسائل، وتحميل الكيان الإسرائيلي المسئولية الدولية المترتبة علي التعرض للمعونات الإنسانية والاحتياجات الضرورية لإعادة الإعمار، وعدم فتح جميع المعابر أمام حركة الأفراد والبضائع. وكلف المجلس الجمهورية اللبنانية، العضو العربي في مجلس الأمن والمجموعة العربية في نيويورك، بطلب عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي بالتنسيق مع تركيا والدول والتجمعات الصديقة لإصدار القرار اللازم لإدانة الحصار المفروض علي غزة، وإلزام إسرائيل برفعه فوريا، وطلب عقد الدورة المستأنفة العاشرة في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة لمواجهة الحصار(25).

وتساءل السيد عمرو موسي، الأمين العام للجامعة العربية: لماذا حدث هذا، مجيبا أن إسرائيل دولة تشعر بأنها فوق القانون، وأنها تستطيع فعل أي شئ دون أن تكون تحت سلطة مجلس الأمن .. إيران تحت سلطة مجلس الأمن أما إسرائيل فلا.

كما أكدت جامعة الدول العربية أمام مجلس حقوق الإنسان أن العدوان الإسرائيلي علي قافلة الحرية هو 'جريمة حرب وضد الإنسانية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، حيث قال مندوبها الدائم لدي الأمم المتحدة في جنيف، السفير سعد الفرارجي - في كلمته أمام الجلسة الاستثنائية الطارئة لمجلس حقوق الإنسان - 'إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تضمن حرية الملاحة في أعالي البحار وتخصيصها للأغراض السلمية، كما تؤكد حق كل دولة في تسيير سفن ترفع أعلامها في أعالي البحار، موضحا أن اتفاقية القضاء علي الأعمال غير المشروعة ضد السلامة البحرية لعام 1988 تؤكد محاكمة وعقاب وتسليم المجرمين في الجرائم التي تقع ضد السفن والملاحة الدولية السلمية'. مشيرا إلي أن العمل الإرهابي الذي اقترفته إسرائيل ضد هذه السفن في المياه الدولية يفضح الطبيعة العدوانية لإسرائيل واستخفافها بكل القواعد والقوانين الإنسانية والدولية(26).

وتوالت ردود الفعل الغاضبة والمظاهرات من كافة العواصم العربية والإسلامية من القاهرة، والرياض، ودمشق، وصنعاء، ومسقط، والجزائر، وعمان، وبيروت، والدوحة، والكويت. كما أعلنت العديد من دول العالم في آسيا وأمريكا اللاتينية رفضها للعدوان.

كما أدان الرئيس الفلسطيني العدوان المركب ، وأعلن الحداد العام ثلاثة أيام، داعيا إلي تحرك المجتمع الدولي لمحاسبة إسرائيل علي عدوانها(27)

وقرر الرئيس حسني مبارك فتح معبر رفح لأجل غير مسمي لنقل المساعدات الطبية والغذائية واستقبال الجرحي والطلاب والحالات الإنسانية، الأمر الذي اعتبر خطوة إيجابية كبيرة يؤمل أن تستمر، لأن البعض تخوف من أن يكون القرار مجرد خطوة تنفيسية لامتصاص الغضب، ثم يعود المعبر للغلق مرة أخري. كما استدعت مصر السفير الإسرائيلي لديها وأبلغته احتجاجها، وطالبت بالرفع الفوري للحصار، محذرة من خطورة استمراره. في حين دعا الرئيس السوري، بشار الأسد، الولايات المتحدة للضغط علي إسرائيل لوقف اعتداءاتها ورفع الحصار، والسير قدما في عملية السلام. واستنكرت السعودية وأدانت المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل، واعتبرت أن الهجوم يعد عدوانا يعكس الممارسات غير الإنسانية لإسرائيل وتحديها السافر للعالم كافة، وللقانون الدولي، وإصرارها علي تجويع الشعب الفلسطيني، ومنع كل وسائل الإغاثة، والإمعان في قتل الأبرياء. كما أكد العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، إدانة بلاده الشديدة للهجوم الإسرائيلي، مشددا علي ضرورة اتخاذ المجتمع الدولي خطوات فورية وفاعلة لرفع الحصار. واعتبرت المغرب - علي لسان وزير خارجيتها الطيب الفاسي الفهري - أن الهجوم الإسرائيلي ليس مقبولا لا سياسيا ولا دبلوماسيا ولا إنسانيا. كما دعا الرئيس السوداني، عمر البشير، إلي وقف التفاوض مع إسرائيل، وسحب المبادرة العربية للسلام(28).

وأدانت كل من قطر، والكويت، والإمارات، وليبيا الاعتداء الإسرائيلي. كما ندد الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، بالهجوم الإسرائيلي، معتبرا إياه ليس علامة قوة، بل علامة علي ضعف النظام. وقال إن إعصار الشعوب هو الذي سيقتلع دولة إسرائيل، في حين لم تشهد العاصمة الإيرانية أي مظاهر للتضامن مع قافلة الحرية، حيث خلت الشوارع الإيرانية من أي مظاهر احتجاجية أو تظاهرية، في الوقت الذي تحرك فيه العالم الغربي مع العالمين العربي والإسلامي نصرة لغزة وقافلة الحرية(29).

الهوامش :

1- جريدة الحياة، 1يونيو 2001.

2- جريدة الأهرام، 6 يونيو 2010.

3- إسرائيل قايضت معتقلي قافلة الحرية بضمانات لمعاقبة إيران:

www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx؟id=213562-

4- هل ينجح المجتمع الدولي في فك الحصار عن غزة؟، جريدة عمان، الملف السياسي، الثلاثاء، 15 يونيو 2010:

www.omandaly.com

5- www.alquds.com/node/262963

6- هل للولايات المتحدة مصلحة في الهجوم الإسرائيلي علي قافلة أسطول الحرية؟ 1 يونيو 2010:

www.democraticac.com

7- بشيرالخوري، هيئة الإغاثة التركية: المنظمة الإنسانية التي أحرجت إسرائيل.

8- www.bbc.co.uk/.../100602_bk_turkey_ihh_profile.shtml

9- www.alquds.com/node/262963

10- www.youm.7com/News.asp؟NewsID=234484

11- http://www.aknews.com/ar/aknews/152906/7

12- http://www.ngis.biz/NewsDetails.aspx؟NewsLanguageId=4397

13- جريدة الأهرام.

14- www.aljazeera.net/.../E2D4F7F2-A865-4B25-88D9-5D57CD3A2D.55htm'.

15- www.alhassad.net/spip.php؟article2537

16- أحمد عمرو، مجزرة الحرية .. ووجه أوباما القبيح، موقع: مفكرة الإسلام، 9 يونيو 2010.

17- http://www.trt.net.tr/trtinternational/ar/newsDetail.aspx؟HaberKodu=8750c8d0-17e5-4667-8ce3-4cb075971fb2 -

18- www.syria-news.com/readmynews.php؟sy_seq=115753 -

19- جريدة الأهرام 1، 2 يونيو 2010.

20- جريدة الحياة، 1 يونيو 2010.

21- http://arabic.cnn.com/2010/business/15/6/turkey.israel_economic/index.html-

22- www.aksalser.com/؟page=view_news&id...

23- www.almokhtsar.com/print.php؟app=news&appid...

24- عبدالعظيم الأنصاري، قافلة الحرية .. تركيا تدهس علاقتها بالصهاينة:

www.ikhwanonline.com/Article.asp؟ArtID06. /2010/06

25- www.gulfinthemedia.com/index.php؟m...

26- www.akhbaralaalam.net/news_detail.php؟id=37834

27- جريدة الأهرام، 2يونيو 2010.

28- جريدة الأهرام، 2 يونيو 2010.

29- أحمد موفق زيدان، لماذا لم تتظاهر إيران مع قافلة الحرية؟، موقع المصريون، 9يونيو 2010.

------------------
* سكرتير تحرير مجلة السياسة الدولية.

 
طباعة المقالــة إرسال لصديق