|
هذا العنوان (بدون علامة الاستفهام) أستعيره من مقدمة مقال كتبه 'أمجد عطا الله' في مجلة 'فورين بوليسي' الأمريكية، في عددها الصادر في مايو الماضي، عن علاقة تركيا بالعالم العربي.
وأعتقد أنه -أي العنوان- يلخص الوضع المتميز الذي أخذت تركيا تحتله في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، خاصة في السنوات القليلة الماضية، والذي تمثلت آخر 'تجلياته' في واقعة تجهيز سفن 'أسطول الحرية' لغزة، ثم في رد الفعل التركي إزاء الهجوم الغادر الذي شنته إسرائيل علي تلك السفن يوم 31 مايو الماضي في المياه الدولية بالبحر المتوسط.
إن الحضور التركي القوي الراهن في المنطقة لم يحدث فجأة، لكنه كان نتاجا لتفاعل عدد من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية:
فمن الناحية الأولي، تبرز تركيا اليوم (أكثر من أي وقت مضي) باعتبارها 'نموذجا' فريدا لدولة إسلامية - ديمقراطية، في سياق دولي ينظر بتشكك شديد للعالم الإسلامي وقابليته للتطور الديمقراطي. ولاشك في أن تركيا، التي تزعمت العالم الإسلامي لما يقرب من خمسة قرون، كانت في الواقع أبرز نقاط المواجهة بين الإسلام والغرب. وبعبارة أخري، فإنه إذا كانت تركيا قد مثلت في ظل الحرب الباردة أحد معاقل 'المعسكر الغربي' المتقدمة في المواجهة الأيديولوجية مع القوي الشيوعية، وعلي رأسها الاتحاد السوفيتي، فإنها تحولت -في فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي- لتكون هي أيضا نقطة للمواجهة الحضارية بين الإسلام والحضارة الغربية، في ظل شعارات ومفاهيم 'صدام الحضارات'! في هذا السياق، كان تولي نجم الدين أربكان رئاسة الوزراء في تركيا عام 1997 نقطة تحول مهمة سجلت وصول أول رئيس وزراء إسلامي للحكم في تركيا، في ظل التزام بقواعد الديمقراطية الغربية، و'العلمانية' الكمالية التي يحميها الجيش. غير أنه بالرغم من الاختلافات السياسية بين حزب السعادة وزعيمه أربكان، وحزب العدالة والتنمية (الذي يحكم تركيا حاليا) وزعيمه رجب طيب أردغان، فإن الطابع الإسلامي لكليهما لم يكن أبدا علي حساب الالتزام الصارم بقواعد الديمقراطية، ولا علي حساب الإخلاص للمبادئ الأساسية للجمهورية التركية، فضلا عن احتفاظهم بالملامح الأساسية للعلاقات الإقليمية والدولية لتركيا، بما في ذلك علاقات تركيا 'الخاصة' بإسرائيل.
غير أنه من المؤكد -من ناحية أخري- أنها هذا الطابع 'الإسلامي' للحكومة التركية في العقدين الأخيرين، وإن لم يكن في جوهره علي حساب العلاقات الدولية والإقليمية التقليدية لتركيا، فإنه بالتأكيد شكل رصيدا إيجابيا إضافيا لعلاقات تركيا مع العالمين العربي والإسلامي، سواء من حيث المبادرة التركية بالانفتاح علي العالمين العربي والإسلامي، وتوسيع قنوات التعامل معهما علي مستويات عديدة من ناحية، أو من حيث استعداد تلك الأخيرة للانفتاح علي تركيا، في ظل تشجيع أمريكي - غربي لا تخطئه العين من ناحية أخري. ولم يكن غريبا -في هذا السياق- أن نظر الأمريكيون والأوروبيون إلي النموذج التركي باعتباره نموذجا 'آمنا' لإسلام سياسي يلتزم بالعملية الديمقراطية، ويحترم قواعدها في تداول السلطة، ويحافظ علي القيم السياسية للدولة بصرف النظر عن نوعية 'الحكومة'.
أما علي المستوي الإقليمي، أي علي صعيد الشرق الأوسط والعالم العربي، فلاشك في أن تركيا تقدم اليوم نموذجا للبراعة في الاحتفاظ بالتوازن الدقيق في علاقاتها مع القوي الإقليمية، وفي تحقيق أقصي مصالح لها. ينطبق هذا علي علاقاتها مع إيران، ومع إسرائيل، مثلما ينطبق علي العالم العربي. فتركيا -من ناحية- وقفت موقفا حريصا مراقبا للحرب العراقية - الإيرانية، ولم يكن من الصعب تصور أنه كانت هناك مصلحة تركية مفهومة في إضعاف إيران الخميني، وعراق صدام حسين معا، وهو ما حدث بالفعل. ومع ذلك، وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، لم ترد تركيا أن تكون منطلقا للطائرات الأمريكية في تلك الحرب، ونأت بنفسها عن المشاركة الفعلية في ضرب العراق. ومع ذلك أيضا، فلاشك في أنها كانت في مقدمة المستفيدين من التخلص من نظام صدام حسين. غير أن الأهم من ذلك أن تركيا أيضا كانت في مقدمة المستفيدين من الحفاظ الصعب علي استمرارية وتماسك الدولة العراقية بثمن باهظ دفعه العراقيون أنفسهم، فضلا بالطبع عن الأمريكيين وأطراف أخري عديدة. فلاشك في أن في مقدمة أسباب اهتمام تركيا بالشأن العراقي يتصل بوضع الأكراد العراقيين، سواء في ظروفهم و'استقلاليتهم' داخل الدولة العراقية، أو في علاقاتهم القومية مع الأكراد في تركيا وسوريا.
من ناحية أخري، تتخذ تركيا موقفا حذرا ومتوازنا إزاء جارتها الأخري: إيران. ففي حين تتحفظ علي فكرة ضرب إيران، والتعامل العسكري مع طموحاتها النووية، فإنها تسعي أيضا إلي التقريب بين إيران والغرب، وتدعو -بشكل منتظم- إلي التعقل، والتوصل إلي تفاهمات وحلول وسط حول الملف النووي الإيراني.
وبعبارة أخري، فإنه في حين يوجد لدي تركيا مصلحة لاشك فيها في كبح الطموحات النووية الإيرانية، ومنع إيران من تملك السلاح النووي، فإنها عمليا لا تضع نفسها في موقف المواجهة مع إيران، بقدر ما تتخذ موقف الوساطة والنصح بين إيران والقوي الرافضة لتسلحها النووي، مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
وينطبق الأمر نفسه علي العلاقات التركية - الإسرائيلية; فتركيا كانت أول دولة إسلامية أعترفت بإسرائيل -عام 1949- كما أن علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة وبالعالم الغربي دفعتها إلي الحفاظ علي هذه العلاقة، فضلا عن تنميتها. وفتحت عملية السلام العربية - الإسرائيلية الباب علي مصراعيه أمام تركيا لتسقط أية تحفظات في علاقاتها بإسرائيل. وفي هذا السياق، من المفيد هنا أن نتذكر أن أول زيارة قام بها وزير خارجية تركي لإسرائيل كانت تلك التي تمت في نوفمبر عام 1993، عقب بدء عملية المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، وتوقيع اتفاق غزة - أريحا أولا. وشهدت العلاقات الثنائية بين البلدين بعد ذلك تصاعدا سريعا وصل إلي التعاون العسكري واسع النطاق، ثم إلي ما يشبه التحالف الاستراتيجي بين الطرفين.
وفي حين حصلت تركيا من ذلك التعاون، ثم التحالف، مع إسرائيل علي مكاسب كبيرة (خاصة في سياق علاقاتها مع الولايات المتحدة والعالم الغربي)، فإنها اكتسبت أيضا مكانة أهلتها لأن تكون قادرة علي أن تضغط أحيانا، وتتوسط أحيانا أخري، في علاقتها مع أطراف عربية - وسوريا تحديدا- خاصة في القضايا الرئيسية المشتركة بينهما، وفي مقدمتها: المياه، والحدود، والأكراد. ولم يتردد المسئولون الأتراك في إبداء استعدادهم للقيام بدور الوساطة بين سوريا وإسرائيل، 'إذا أبدي الطرفان رغبتهما في ذلك'.
وهكذا، فإن المفارقة اللافتة هنا هي أن تلك العلاقة الخاصة لتركيا بإسرائيل، التي مكنتها -بالتالي- في أوقات معينة من الضغط عليها، كانت هي نفسها السبب الذي أسهم في الارتفاع الصاروخي لمكانة تركيا في العالم العربي، عندما أبدي زعماؤها مواقف قوية وصارمة إزاء السياسة الإسرائيلية، وهو ما تبدي بشكل خاص في إدانة تركيا القوية والواضحة للعدوان الإسرائيلي علي غزة، فضلا عن الإلحاح المستمر علي ضرورة 'تحقيق العدالة' في المنطقة، وعلي رأسها الحفاظ علي الحقوق الفلسطينية، وفقا لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
في هذا السياق، قدمت تداعيات عملية 'أسطول الحرية'، الذي كان متوجها إلي غزة، رصيدا إضافيا لا يمكن إنكاره لتركيا في العالم العربي. فمن الناحية الأولي، كانت أغلبية سفن ومعدات 'أسطول الحرية' تركية، فضلا عن أن أغلب الناشطين علي متنها كانوا من الأتراك، مما عكس بالأساس جهدا شعبيا تركيا للإسهام في رفع المعاناة عن أهالي غزة الواقعين تحت الحصار الإسرائيلي. ومن ناحية ثانية، فإن العملية الإسرائيلية الحمقاء ضد تلك السفن في 31 مايو الماضي أسفرت عن سقوط 19 قتيلا، معظمهم أيضا من الأتراك، مما أثار رد فعل عنيفا من الجانب التركي، بما في ذلك السعي والضغط من أجل تشكيل لجنة تحقيق دولية في الحادث. غير أنه يظل من الحقيقي، أيضا، أن تركيا لم تشأ لرد فعلها أن يتجاوز حدودا معينة، وأنها ظلت حريصة علي ألا تمس تداعيات 'أسطول الحرية' جوهر العلاقات الإسرائيلية - التركية، والمتجسدة في عديد من الاتفاقيات والمعاهدات بين الطرفين.
والخلاصة أننا إذا أردنا أن نحدد تشخيصا وتفسيرا لسطوع 'النجم التركي' في أفق الشرق الأوسط، فسوف يكون هو وجود درجة عالية للغاية من البراجماتية، وبراعة فائقة في تحقيق التوازنات الدقيقة، تحت غطاء قوي وبراق من لافتات الديمقراطية والعلمانية والإسلام معا.
|